فهرس الكتاب

الصفحة 483 من 523

الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ أي لقد ادعيت التصرف في الموت والحياة بالباطل والمماراة الجاهلة، واتخذت مثلا لذلك مستضعفين ممن استعبدتهم في ملكك، فهل تستطيع التصرف فيما يراه الناس كلهم وهو حركة الشمس التي يأتي بها الله من المشرق، هل تستطيع أن تأتي بها من المغرب؟، {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} أي غُلِب الملك الكافر وقهر واضطرب وتحير وانقطعت مجادلته ولم يستطع ردا، لما فوجئ به من قوة حجة إبراهيم الدامغة، {وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} لا يهديهم للحق ولا يلهمهم حجة، ولا يستنقذهم من الضلال، بسبب إصرارهم على الظلم وإيثارهم العدوان على خلق الله، وتمسكهم بالشرك، وهو ظلم عظيم لا يغتفر.

هكذا انتصر الإيمان بقوة الحجة على باطل الكفر المدجج بالملك والسطوة والمجادلة التافهة الجاهلة، واتضحت جوانب أخرى للتصور العقدي متعلقة بسنن الله في تسيير الكون وخلق الحياة، تضاف إلى سابقاتها في آية الكرسي، صفاتٍ للألوهية والربوبية، واستحقاقا للولاء الحق. وذلك أخطر موضوع في الحياة، يدور حول توضيح التصور الإيماني في قلب المؤمن وعقله، ليبث طمأنينة اليقين ونور المعرفة في ضميره، و يؤهله لما ينتظره في الآخرة.

في السياق ذاته يورد رب العزة تبارك وتعالى حادثة أخرى تضيف لسر الحياة والموت مسحة جديدة أكثر وضوحا ورهبة وجلالا، قصة الذي مر على قرية خربت مبانيها واندثرت معالمها، ومات أهلها، فوقف متأملا مفكرا متعجبا من قدرة الله على إحياء أهلها، متى يحيون وكيف يبعثون، قال تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} العروش جمع عرش وهو البناء، أي وجد القرية خالية من أهلها قد عمها الخراب وسقطت منها الجدران والسقوف، ولم يذكر الوحي اسما للقرية ولا للذي مر بها كعادته في الاقتصار على ما يُتَّعَظ به ويفيد، على أن المفسرين أفاضوا في ذكر ما روته الإسرائيليات من قصص متناقضة لا تثبت، من أن القرية بيت المقدس بعد أن خربها بخت نصر، وأن الذي مر بها هو عزير الذي فتن به بنو إسرائيل وادعوا بنوته لله، بقوله عز وجل: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} التوبة 30، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

إن العبرة التي اقتصر الوحي عليها هي حقيقة الموت والحياة في التصور الإيماني، لا حقيقة القرية والرجل، ونقطة الارتكاز فيها هي التساؤل عن كيفية العودة إلى الحياة بعثا ونشورا {قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} متى وكيف تعود الحياة إلى هذا الموات من أهل القرية ولم يبق منهم أحد؟.

من سياق الآية لم يكن الرجل ينكر ربه أو ينكر العودة إلى الحياة بعد الموت، وما تساؤله إلا استعظامًا لقدرة المحيي، واعترافا بالقصور عن معرفة سر الحياة والموت والبعث والنشور، فتعجب من ذلك وتساءل عن كيفية حصوله وزمن تحققه، {فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} ، أراه الله تعالى من نفسه ومن القرية الخربة، مَثَلَ الموت والحياة وسر الزمان بأيامه وأعوامه، أماته وألبثه ميتا مائة عام، ثم أحياه، ليرتفع عن عالم الحس والأسباب والوسائط ويغادر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت