طوارق الشك وخواطر الظنون والأوهام إلى ثوابت اليقين والتسليم لما حجب عنه من أستار الغيب، وما احتفظ به تعالى من سر الموت والحياة.
{قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ} بعد إحيائه سئل من قبل ربه شفاها، مباشرة أو بواسطة ملك من الملائكة، عن مدة لبوثه فيما ظنه نوما، فقال إنه نام يوما أو أقل من يوم، فبين له خطأ تقدير حاله نوما وهو موت، وتقدير زمن ذلك يوما أو بعض يوم وهو مائة سنة. وبذلك تضيف هذه الآية بعدين آخرين يكملان التصور الإيماني للمسلم:
أحدهما تشبيه الموت بالنوم، وتشبيه البعث باليقظة، لأن بينهما قدرا مشتركا هو عدم التمييز في حالتي النوم والموت، وضمور المسافات الزمنية في الذهن حال اليقظة وحين البعث قال تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} النازعات 46، والله تعالى قادر على ذلك كله {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الزمر 42، {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} لقمان 28.
والبعد الثاني إشارته تعالى إلى نسبية الزمان وسر مقاييسه، وأنه نظام وضعه الله عز وجل للكون، يتكيف مع ظروف الكائنات والكواكب والأفلاك، وحركتها ومواقعها، يقدره خالقه تعالى ويتحكم فيه، قال تعالى: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} السجدة 5، وقال: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} المعارج 4.
ثم بعد أن بين الله تعالى له مدة لبثه ميتا، لفت نظره إلى أدلة وقرائن مادية تثبت ذلك فقال: {فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} لم يتسنه أي: لم يتغير وقد مرت عليه مائة عام، لم يتعفن أو يأسن أو يتحجر، {وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} الذي مات بجوارك منذ مائة عام كذلك، وقد بلي فلم تبق إلاّ عظامه يحييه الله أمامك {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ} لنجعل موتك وبعثك في الدنيا لمن يراك أو يسمع بك آية ودليلا على الموت والحياة والبعث والنشور.
{وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} قرأ جمهور العشرة {نُنْشِرها} بالرّاء مضارع أنْشَر الرباعي بمعنى الإحياء. وقرأه ابن عامر وحمزة وعاصم والكسائي وخلف: {نُنشِزها} بالزاي مضارع أنشزه إذا رفعه، والنشز الارتفاع، يراد بنشوزها نموها وارتفاعها حين تغلظ بإحاطة العصب واللحم والدم بها، وكلا القراءتين بمعنى واحد، هو إعادتها إلى شكلها الأول الذي كانت عليه أثناء الحياة، والمقصود بالعظام هو عظام الحمار، وليس عظام الذي مر على القرية فمات ثم بعث. لقد رأى رأي العين مثالا لإحياء الأموات في حماره، تتجمع عظامه وتكسى لحما تجري فيه الدماء، وتعود إليه الروح كأنه لم يمت من قبل، في واقعة خرقت سنن الطبيعة المرئية، وأهدرت ما عرفته علوم الحياة (البيولوجيا) قديما وحديثا من معارف وقيم مادية، وأثبتت أن قوانين الحياة التي نعرفها