مجرد سنن وضعها ربها القادر على إبطالها أو تغييرها حسب مشيئته وحكمته، وأن الأصل في كل شيء هو المشيئة الإلهية، وهو عز وجل {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} الأنبياء 23، {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} هود 107، {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} البقرة 117.
والظاهر من سياق الحادثة أن الذي مر على القرية وعاش هذ التجربة، كان مؤمنا ومن أصفياء الله تعالى، وإلا لَمَا أقر بوجود الله حالما رأى القرية الخاوية، ولَمَا جعله الله قطب هذه المعجزة وخاطبه وترفق به وأراه بعض أسرار الموت والحياة، ولَمَا اطمأن قلبه بالإيمان بعد أن رأى ما سأل عنه في نفسه وبأم عينه، ولَمَا قال ما قال بعد أن اطمأن بالتجربة وتبينت له قدرة ربه: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ولما سيقت تجربته مع تجربة إبراهيم متجاورتين، وقد ضمتا موضوعا واحدا حول حقيقة الموت والحياة فقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} .
لم يكن إبراهيم شاكا في أمر الله ومشيئته وقدرته على ذلك، ولا علاقة لسؤاله بأمر الإيمان الثابت الراسخ في قلبه، ولا بالبحث عن دليل يقويه ولكنه الشوق إلى المعرفة والتطلع لرؤية بعض أسرار الغيب، أذكاه وثوق الخليل بمحبة خليله وإدلاله بما له من رفيع المنزلة عنده.
أما قوله تعالى: {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن} فهو تقرير لإيمان إبراهيم وشهادة ضمنية به من الله تعالى، وليست شكا فيه، معناه: قد آمنت يا إبراهيم فما حاجتك للرؤية المادية؟
ويجيب إبراهيم ربه في طموح منه وتشوف إلى أعلى درجات اليقين قائلا: {بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ليرقى بالرؤية إلى أعلى مراقي الإيمان فيكون أهلا لخلته مع ربه عز وجل، قال تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} الرعد 28.
وفي إيجاز واف بالمطلوب يستجيب الله تعالى ويقحمه في تجربة عملية تعطيه ما سأل، {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} .
لم يذكر الوحي كعادته من هذه الخارقة إلا ما يهم الجانب العقدي والتربية الإيمانية، وأهمل ما لا حاجة للناس به، أمره أمرا مجملا بأن يأخذ أربعة من الطير {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ} أي طائر، وأن يقطعهن {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} وجههن إليك وقطعهن، من صرت الشيء وجهته، وصرته قطعته لغتان بمعنى واحد. {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا} ثم وزع أجزاء هذه الطيور على الجبال، على كل جبل جزء، {ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} السعي لغة هو العَدْو الخفيف، أي ثم مرهن بالإتيان إليك يأتينك بسرعة. {وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} واعلم يا إبراهيم وكل من بلغته دعوة الإسلام أن الذي أحيا هذه الطيور بعد ذبحها وتفريق أجزائها بين الجبال قاهر فوق عباده، عزيز في قدرته