كما ينبغي أن يميز بين من يجوز له أكل الصدقة ومن لا يجوز في حقه إلا الهبة والهدية كما هو حال ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة قال: (أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِخْ كِخْ لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟) .
وأول شرط متعلق بمال الصدقة أن تكون من طيب المال وحلاله، لأن الله طيب ولا يقبل إلا طيبا، قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ) .
وأما الشرط عند الإنفاق فقد ورد به قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صدقة السر تطفاء غضب الرب) ، وحديث البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه) ،
أما شروط الصدقة عند أدائها وبعده فأن لا يتبعها مَنّ أو أذى، وهو قوله تعالى عقب ذلك: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى} والمَنُّ المقصود في هذه الآية هو أن يعظم المعطي عطاءه أو يفخر به أو يشيعه أو ينتظر من الآخذ جزاء دنيويا على إحسانه، أو يتطاول عليه بإحسانه أو يفخر عليه به، أو يمحو أجر صدقته بإساءة استعمالها أو توظيفها أو استغلالها لشراء الذمم، أو إلحاق الأذى بأيٍّ كان، فردا أو مجتمعا. فإن توفرت هذه الشروط كلها وسلمت الصدقة مما يوبقها ويبطلها، ثبت أجرها عند الله تعالى وأمن صاحبها يوم القيامة من الخوف والحزن كما قال تعالى عقب ذلك: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} .
وإن تبع الصدقة ما يبطلها من المن والأذى كانت وزرا على صاحبها بإساءته إلى الآخذ كَتَمَ مَساءتَه أو جأر بها، لأن الإحسان إلى قلوب الخلق والمحافظة على كرامتهم مهما بلغ بهم الفقر مقدم على كل إحسان مادي، وقدرة الغني على العطاء واضطرار الفقير إلى الأخذ ليس إلا ابتلاء من الله تعالى لكليهما، ولذلك أهاب رب العزة بالذين من طباعهم الرياء والفخر بالصدقة أو المباهاة والتطاول بها، أن يكفوا أذاهم ويهذبوا طباعهم، ويُعوِّدوا ألسنتهم الكلمة الطيبة التي تشرح النفس وتضمد الجرح، والاستغفار الذي يطهر القلب من البغضاء والضغينة، ذلك عند الله خير من بذل مال يتبعه المن والأذى، قال تعالى: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} ، وقال صلى الله عليه وسلم:
-الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَة.