فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 523

أعمالهم هباء ثم قذفهم في النار، كانوا يصومون ويصلون ويأخذون هنة من الليل، ولكن كانوا إذا عرض عليهم شاء من الحرام وثبوا عليه فأدحض الله أعمالهم).

أما الكسب الحلال فمن مصادره التجارة والصناعة والإجارة ومختلف الخدمات جهدا فكريا أو وظيفيا أو حرفيا أو عملا عضليا أو غير ذلك مما يستحدث في الحياة من أوجه الكسب الحلال، وكذلك ثمار الأرض زروعا وفواكه وغيرها مما يصلح للاستخدام والاستعمال، كل ذلك إن كان مباحا وحصل من حلال وبوسيلة غير محرمة كان صالحا للإنفاق في سبيل الله تعالى.

إلا أن في هذا الكسب الحلال جيدا ورديئا، طيبا وخبيثا، ولا ينبغي للمؤمن أن يقدم لربه غير الجيد والطيب، وقد روى الواحدي عن البراء قال:"نزلت هذه الآية في الأنصار، كانت تخرج إذا كان جذاذ النخل من حيطانها أقناء] [1] [من التمر والبسر، فيعلقونها على حبل بين أسطوانتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأكل منه فقراء المهاجرين، وكان الرجل يعمد فيخرج قنو الحشف] [2] [وهو يظن أنه جائز عنه في كثرة ما يوضع من الأقناء، فنزل فيمن فعل ذلك {وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} يعني القنو الذي فيه حشف، ولو أهدي إليكم ما قبلتموه"

و قال جابر: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر بصاع من تمر، فجاء رجل بتمر رديء، فنزل القرآن {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} .

وقال عبيدة السلماني: سألت عليا كرم الله وجهه عن قول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} فقال علي: نزلت هذه الآية في الزكاة المفروضة، كان الرجل يعمد إلى التمر فيصرمه، فيعزل الجيد ناحية، فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه من الرديء، فقال عزّ وجلّ: {وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} .

إن الإنفاق في سبيل الله تعالى يجب أن يكون أولا من الكسب الحلال، وثانيا من الطيب الحلال، وقد جبلت بعض النفوس على أن تحب طيب كسبها وتستأثر به، وأن تتخلص من رديئه لغيرها بالبيع أو الصدقة، أو الهبة أو الهدية، لذلك دعا الله عز وجل إلى تجنب هذا السلوك غير الرضي فقال: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} آل عمران 92. وأحرى بالمؤمن وصدقته موفورة له يوم القيامة أن يدخر لذلك اليوم أحسن ماله وأبقاه، قال صلى الله عليه وسلم: (وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟) .

(1) - الأقناء جمع مفرده قنو وهو العذق بما فيه من الرطب.

(2) - الحشف أردأ التمر يقال أحشفت النخلة أي صار تمرها حشفا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت