أما الرديء والخبيث ولو كان كسبا حلالا كحشف التمر الذي أخرجه بعض المسلمين صدقة أو زكاة فطر، فليس من الحياء أن يأباه المرء لنفسه ويرضاه للفقراء، قال تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} تيمموا: من يمم الشيء وتيممه أي قصده، ومنه الحديث: (كانوا يَتَأَمَّمُون شِرارَ ثِمارِهم في الصدَقة) أَي يَتَعَمَّدون خبيثها ويَقْصِدونه ويختارونه للإنفاق على الفقراء والمساكين، ولو أعطي لهم هدية أو هبة أو تكرمة أو أداء لدين لم يأخذوه {وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ} لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم أبصاركم عن رداءته وأخذتموه كرها أو حياء أو مسامحة. عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحبَّ، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده، لا يسلم عَبْد حتى يُسلِمَ قلبُه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جارُه بوائقه) ، قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟. قال: (غَشْمه] [1] [وظلمه، ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدقُ به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث) ، وأخرج الإمام أحمد عن عائشة قالت: أُتِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بضب فلم يأكله ولم ينه عنه. قلت: يا رسول الله نطعمه المساكين؟ قال: (لا تطعموهم مما لا تأكلون) .
أما مشروعية الكسب فتعني أن تكون وسيلة الكسب مباحة، واستعمال المكتسب جائزا، وألا تشوب مصدره أو جوهره أو وسيلة كسبه شائبة من غش أو نصب أو خداع أو توسل بمحرم، ولو كان من تجارة مباحة كالذي يتاجر ويرابي أو يحلف لإنفاق تجارته، أو الذي يدس رديء بضاعته تحت طيبها، أو الموظف الذي يتهاون ويغش عند أداء واجبه فيسرق الوقت ويضيع مستحقي الخدمات ...
ثم ختم عز وجل الآية بقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ} غني عن صدقاتكم، غني عن جميع خلقه وجميع خلقه فقراء إليه، واسع الفضل والعطاء لا ينفد ما لديه، وإنما فرض عليكم الإنفاق رحمة بكم، يدخره لكم ويضاعف أجره يوم القيامة، قال تعالى: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} الحج 37،
{حَمِيدٌ} صيغة مبالغة من الحمد بزيادة ياء، أي محمود في عطائه ومنعه، يحمده خلقه لما أفاض عليهم من النعم ظاهرة وباطنة، ولما يجزل على المطيعين من عباده في الآخرة من عظيم المثوبة وحسن الجزاء.
ثم لما دعا عز وجل إلى الإنفاق ورغب فيه وأمر به ووعد عليه بالغنى والثواب، عقب على ذلك بالتحذير من الركون إلى وساوس الشيطان ونجواه وتخويفه من الفقر فقال:
(1) - الْغَشْمُ الظُّلْم والغَصْبُ.