{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء} أي الشيطان يخوف المؤمنين من الفقر إن تصدقوا بأموالهم وأنفقوها في أوجه البر، ويأمرهم بالفحشاء، أي بالبخل] [1] [، أما الوعد لغة فيستعمل في الشر مجازا للتخويف أو التحذير كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} الحج 72، ويستعمل في الخير على الحقيقة، فيقال وعدته بنفع وعدا وموعدا وميعادا، أي مَنَّيْته، كما في قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} المائدة 9.
{وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا} يعدهم إذا أنفقوا وتصدقوا في سبيله بمغفرة ذنوبهم وقبول توبتهم، وستر خطاياهم، وبواسع فضله الذي لا ينفد، قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} الحديد 11، وقال: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} التوبة 103، وقال صلى الله عليه وسلم: (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) .
{وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} واسع الفضل والعطاء، يُعطِي من سَعة، يعلم من أنفق وما أنفق وكيف تصدق وعلى من تصدق، يعلم الغيب والشهادة {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} سبأ 3.
هذه التوجيهات الربانية لا يعقلها إلا من تدبرها وفهم حكمتها بعقل بعيد النظر، يتجاوز الفاني إلى الباقي، ويربط الحاضر بالمستقبل، والقريب بالبعيد، والمبدأ بالمآل، والدنيا بالآخرة، لذلك خرج الأسلوب القرآني بالتفات واضح من خطاب الأمر المباشر بالإنفاق والتحذير من البخل إلى خطاب تقريري رتبه على واسع فضل الله وعلمه فقال تعالى: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ} ، والحكمة هي ثمرة الاستعمال الرشيد للعقل، بها يعقل المرء ما يرى وما يجد وما يسمع، ويفقه دوافع الأعمال والأقوال ويعرف أسبابها ونتائجها وما تفضي إليه أو تنشئه. استوى الناس في امتلاك العقل، وتفاضلوا في الاستفادة منه بحسن رعايته وشحذه وتنميته واستخدامه، وتحريره من شوائب الهوى والنزق والطيش، والبلوغ به إلى مصاف الحكمة والرشد وحسن التصرف، والعمل به فيما يقي مصارع السوء ويضمن خير الدارين، ولذلك عقب عز وجل بقوله: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} ، ولا يعقل هذه التوجيهات بمراميها القريبة والبعيدة إلا الذين أوتوا عقلا نيرا ولبا صافيا يستنبط الحكمة، ويلتقط دررها الظاهرة ويستكنه لآ لئ إشاراتها الخفية.
أما قوله تعالى عقب ذلك: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ} فبيان تحذيري بأنه تعالى يعلم ما تبذلونه زكاة أو صدقة أو نذرا، ويعلم من ينفق في سبيله ومن ينفق رياء وتسميعا وإضرارا أو ينفق من كسب
(1) - الفُحْش والفَحْشاءُ والفاحِشةُ القبيحُ من القول والفعل وجمعها الفَواحِشُ، والعرب تسمي البخيل فاحشا.