فهرس الكتاب

الصفحة 499 من 523

حرام أو رديء مال، كل ذلك يعلمه الله تعالى، يحصيه ويحاسب به، وليس لمن ظلم نفسه وخالف أمره من نصير أو شفيع ينقذه من عذاب الله أو يدفع عنه عقابه {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار} .

لقد أحاط الوحي الحكيم في هذه الآيات الكريمة بكل جوانب الإنفاق، فبين أولا أنه قد يكون خالصا لله تعالى وقد يكون رياء وسمعة، ثم بين ثانيا أن منه الحلال والحرام ومنه الطيب والخبيث ثم بين ثالثا أن منه الظاهر ومنه الخفي، فقال تعالى:

{إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} أي إن تصدقتم علانية فنعم ذلك وله أجره {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء} وإن تصدقتم على الفقراء خفية {فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ} ، أي أكثر فضلا وأجرا ومثوبة، قال صلى الله عليه وسلم: (صدقة السر تطفئ غضب الرب) ، وقال: (من قام مقام رياء وسمعة رَاءى الله تعالى به يوم القيامة وسمع) . لذلك كان بعض السلف الصالح يخرجون صدقاتهم بالليل كيلا يُعْرَفَ آخذٌ مِن مُعْطٍ، وكان أهل المدينة المنورة يقولون:"ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين رضي الله عنهما". وفي كلتا حالتي الإنفاق سرا أو علنا تقبل الصدقات على تفاوت في الأجر، إن توفرت فيها شروط القبول، صِدْقَ نية ومكسبا حلالا طيبا وخلوا من الرياء والمن والأذى، يكفر الله تعالى بها السيئات ويمحو الخطايا ويرفع الدرجات {وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} ، لا تخفى عليه أعمالكم ولا نواياكم ولا مقاصدكم {وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} .

ويبقى وجه آخر من أوجه الإنفاق هو الصدقة على غير المسلم، عالجه الوحي الكريم بقوله تعالى:

{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} ، وقد ورد في سبب نزولها أنّه كان لأسماء بنت أبي بكر أمٌّ كافرة وجَدٌّ كافر وأنّ بعض الأنصار كان لهم قرابة وأصهار في بني النضير وبني قريظة، وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة في أن يسلموا إذا احتاجوا، فنزل قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} .

والهدى لغة هو الرشاد، من فعل هدى يهدي أي أرشد، يستعمل على الحقيقة والمجاز، ورد في الكتاب بمعان تدل على أنه لفظ مشترك، يظهر المقصود منه بسياقه في التعبير. فهو أحيانا بمعنى الدلالة والبيان لعامة الناس مسلمهم وكافرهم كما في قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} فصلت 17، وقوله: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} البلد 10.

وتارة بمعنى التوفيق والعون للمؤمن كما في قوله تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} مريم 76، وقوله: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِم} الكهف 13/ 14.

وتارة بمعنى الثواب كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} يونس 9. وقوله: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} محمد 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت