فهرس الكتاب

الصفحة 500 من 523

وتارة بمعنى الاصطفاء إرادة من الله تعالى، لايسأل عما يفعل، كما في قوله عز وجل: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَام} الأنعام 125، ومنه قوله تعالى عقب آية الصدقات: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} أي ليس عليك من هدايتهم إلا أن تدلهم على طريقها، أما إقحامهم فيها فراجع لمشيئة ربهم عز وجل وحكمته، ولما سبق من قاعدة عدم الإكراه في الدين بقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ} البقرة 256.

بهذه الآية الكريمة بين عز وجل أن سماحة الإسلام لا تسثني من الصدقة فقراء غير المسلمين، وأن (في كل ذات كبد رطبة أجر) كما قال صلى الله عليه وسلم، وأن القلوب بيده تعالى يهدي منها إلى نوره من يشاء، وليس للمسلم أن يربط صدقته بأي توظيف لها بالضغط على الكفار لاستدراجهم للإسلام، وليس عليه من واجب الدعوة إلى الإسلام إلا الإرشاد والتبليغ، وأن يهتم بما ينفعه عند ربه من خير إنفاقه: {وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ} وما ينفعه من صدقته أن تكون خالصة لوجه الله وحده ابتغاء لمرضاته {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ} ، هذا ما ينفع المؤمنين من صدقتهم، كل خير بذلوه في هذا السبيل يعود إليهم يوم القيامة وافيا ومضاعفا لا يبخسون ولا يظلمون {وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} .

إلا أن مصارف الصدقات وإن كانت لعموم المحتاجين من المسلمين وغير المسلمين فإن فيها نصيبا كبيرا لفئة خاصة من الفقراء، ميزهم الله تعالى بما لهم من فضل وما هم عليه من حال، ووصفهم بست صفات فقال: {لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} .

أول هذه الصفات قوله تعالى {لِلْفُقَرَاء} أي اجعلوا نفقتكم وصدقتكم للفقراء الذين ليس لهم ما ينفقون ولا يستطيعون الكسب، ويراد بهذه الآية فقراء المهاجرين في العهد النبوي، كانوا نحو أربعمائة رجل، بنيت لهم صُفَّة في المسجد النبوي، فقيل لهم أهل الصُّفَّة، يرسلهم الرسول صلى الله عليه وسلم للجهاد في مختلف السرايا والبعوث، كما يراد بها أيضا من دخل تحت صفتهم في كل عصر.

وثانيتها: {الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ} أي حصروا أنفسهم لخدمة الإسلام ووقفوها على الجهاد في سبيل الله، أو حوصروا بعدو أو مرض أو شيخوخة أو عجز.

والصفة الثالثة {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ} والضرب في الأرض هو السعي فيها بحرية للكسب والإنتاج تجارة وصناعة وفلاحة وغيرها. كما في حالة المتفرغين للجهاد أو سجناء الدعوة الإسلامية، أو المطاردين والمطلوبين بسببها، أو في بعض حالات اللجوء السياسي المهين، أو الذين فرضت عليهم الإقامة الجبرية فيما أصبح مألوفا وساريا في عصرنا هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت