فهرس الكتاب

الصفحة 501 من 523

والصفة الرابعة {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ} التعفف من أصل العفة وهي الكف عما لا يحل ولا يجمل، أو لا يناسب مروءة المرء وكرامته، يقال: عف عن المحارم والأطماع يعف عفة وعفافا وتعفف واستعف وأعفه الله تعالى، والمعنى أن الجاهل بحال هؤلاء المتعففين يحسبهم أغنياء لما يسترونه من فقرهم ويترفعون به عن مهانة السؤال وابتذال الحال. قال صلى الله عليه وسلم لما سأله الأنصار فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم حتى نفِدَ ما عنده: (ما يكون عندي من خير فلن أدّخره عنكم، ومن يستعفف يُعِفّه الله، ومن يستغنِ يُغْنِه الله، ومن يتصبّر يصبِّره الله) .

والصفة الخامسة: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} السيما والسمة معناها العلامة، من فعل سام الشيء إذا وضع عليه علامة، مقلوب من فعل وَسَم البعير أو غيره فهو موسوم، جعل فيه ما يعرف به، كيا أو قطع أذن أو غير ذلك مما يكون علامة له. قال تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} الفتح 29. والمعنى أن هؤلاء الفقراء الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف لهم من سيما المهابة والتواضع والتخشع وجهد الفاقة ما يجعل ذا الفراسة المؤمن يعرف حالهم، ويصون كرامتهم ويغطي حاجتهم مبادأة منه ومبادرة، من غير سؤال أو استطلاع عن حال.

والصفة السادسة: {لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} والإلحاف هو الإلحاح، أي أنهم لا يسألون تعففا، ولا يلحفون في السؤال كما يفعل غيرهم، إذ لو سألوا أو ألحوا في السؤال لما كانوا متعففين ولما ظن الجاهل أنهم أغنياء، روى مالك والبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلَكِن الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ) . وروى مسلم عن عوف بن مالك قال: كنا تسعة أو ثمانية أو سبعة عند رسول الله فقال: (ألا تبايعون رسول الله؟) ، فقلنا: علام نبايعك؟ قال: (أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا، ولا تسألوا الناس) . فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فلا يسأل أحدًا يناوله إياه، كما روي أن أبا ذر حلت به ضائقة فأرسل إليه رجل من قريش ثلاث مائة دينار، فقال: ما وجد عبد الله رجلًا أهون عليه مني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من سأل وله أربعون فقد ألحف) ، ولآل أبي ذر أربعون درهما وأربعون شاة وماهنين، أي خادمين.

ثم عقب عز وجل على هذا الإنفاق بقوله: {وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ} فسماه خيرا، أي طيبا حلالا مقبولا لا يخفى عنه عز وجل، سواء كان سرا أو علانية، ينميه ويضاعف أجره، وأثنى على المتصدقين في سبيل الله من كل عصر وقطر، وفي كل الأحوال والأوقات، مبينا عاقبة أمرهم في الدنيا والآخرة فقال: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} لهم أجرهم الذي بشرهم به قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} البقرة 261، ولهم الأمن من الفقر والخوف والحزن في الدنيا والآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت