ولئن كانت الآيات السابقة بدءا من الآية 261 قد تناولت أحكام هذه العلاقات الاجتماعية الاقتصادية بما يحقق التكامل في الحياة العملية بين الناس، فبينت فضل الإنفاق في سبيل الله وما ينبغي أن يتصف به المنفقون من أدب رفيع وخلق عال، ثم بينت طبيعة الأموال التي تنفق فيقبلها الله تعالى ويضاعفها ويدخرها لصاحبها ويثيبه عليها، وطبيعة الأموال الربوية الخبيثة التي يركسها الله مع صاحبها في نار جهنم، فإنه تعالى قد بين بعد ذلك في هذه الآيات الكريمة للناس طرق صيانة كرامتهم وحفظ أموالهم عند التعامل بها وتسخيرها لما ينفعهم ويشيع بينهم المحبة والثقة وروح التعاون والتكافل والتسامح، بيعا وشراء ومعاملات تجارية مبرأة من الربا، وقرضا حسنا يراد به وجه الله تعالى، وتسامحا عند الأداء والقضاء والتقاضي، كما قال صلى الله عليه وسلم: (رحم الله عبدا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا قضى سمحا إذا اقتضى) .
تبدأ هذه التوجيهات الربانية بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} ولفظ"تداينتم"من فعل:"دان يدين"، يقال دِنْت الرجل وأدَنْتُه إذا أقرضته وأعطيته الدين، فهو مَدِين ومديون، والتداين والمُداينة صيغة مفاعلة بين أفراد يقرض بعضهم بعضا، أو يتبايعون بالدين، يقال: داينتَ فلانا إذا أقرضتَه وأقرضك، والدَّيْن ما في الذمة المالية للمرء نحو غيره صحيحا، في معاملة تجارية أو قرض حسن، ولا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء، ولا يغتفر حتى بالشهادة في سبيل الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: (أول ما يهراق دم الشهيد يغفر له ذنبه كله إلا الدين) .
والمبدأ العام الذي تقرره الآية الكريمة بقوله تعالى: {إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} هو أن يُحدَّدَ له عند التعاقد أجلٌ معلوم يؤدَّى عنده، وأن يوثَّق بالكتابة، سواء كان الدين من قرض أو تجارة، حفظا للأموال والعهود والذمم وحسن العلاقة بين الناس، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) .
ولئن اختلف الفقهاء والمفسرون في حكم الأمر بالكتابة الوارد في هذه الآية ما بين واجب ومندوب، فإن ظاهرها المتبادر إلى الذهن، وواقع التكاثر البشري وضعف الذمم الشائع والتناكر والتجاحد في أكثر المعاملات بين الناس مما يؤكد أن الأمر للوجوب، وهو ما سبق إليه التشريع الرباني، ثم توصلت إليه التجربة الإنسانية بعد حين، بتراكم الأخطاء والمنازعات، فنصت قوانين جميع الأمم المعاصرة مسلمها وكافرها على وجوب الكتابة في المداينات وسائر المعاملات التجارية والائتمانية. بل دخل التوثيق الكتابي حتى في مجال المعاملات الإنسانية زواجا وطلاقا وإثبات نسب.
ثم قيد الشرع الحكيم الكتابة بطرف ثالث لا دائن ولا مدين فقال عز وجل: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} اشترط في الكاتب العدالة، والعدالة تقتضي أن يكون صاحبها نزيها مأمونا تقيا، ضابطا في فهمه وكتابته لما يسمع من