الطرفين، محايدا لا مصلحة له في الأمر، لا يميل مع أحد المتعاقدين فيزيد في نص الشهادة أو ينقص، وقيد الكتابة بحضور الطرفين معا بقوله: {بَيْنَكُمْ} إيذانا بألا ينفرد به أحدهما، لأن الانفراد مظنة التهمة في نزاهته.
وجعل قيام الكاتب بعملية التوثيق عبادة له واجبة عليه، يسأل عنها أمام الله تعالى، ليس له منها إلا الثواب من ربه، حماية للحقوق وتأكيدا للحيادية والموضوعية والنزاهة فقال تعالى: {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ} ، واشترط في الكاتب العدل العلم بأحكام العقود وشروطها وما به تصح أو تبطل أو تفسد فقال: {كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ} ، فكان التشريع الإسلامي في هذا لمجال أيضا رائدا للبشرية قبل غيره في مجال العقود والالتزامات، اقتبسته منه الأمم الراقية واعتبرت توثيق المعاملات والإشهادات بين الناس خدمة وطنية عامة، اتخذت لها مكاتب رسمية تابعة للدولة وأعدت للقيام بها قضاة وأعوانَ عدلٍ رواتبهم من ميزانية الدولة لا من جيوب المتعاقدين.
أما صياغة عقد الدين الذي يكتبه الكاتب فقد جعله الله تعالى من واجب المدين فقال: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} والإِملال والإملاء لغتان معناهما واحد. جاء بهما القرآن الكريم، قال تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} الفرقان 5، لأن إملاء المدين نفسهِ صيغةَ التزامه بالدين على الكاتب أقوم الطرق لحفظه من أي إكراه أو تدليس يمارس ضده من طرف الدائنين، ولحفظ حق الدائن باعتراف بالدين حر طوعي، والاعتراف الموثق كتابة سيد الأدلة، لاسيما إذا كان بضوابطه الشرعية الإيمانية التي تنص عليها الآية، لا كما يستخلصه ذوو النفوذ والجاه والسلطة بالتخويف والترهيب والضغط، أو يستخلصه زبانية الظالمين في كهوف المعتقلات وسراديب الظلم والاستبداد من مستضعفي الأمة وصادقي أبنائها.
ولئن أعطاه الشرع هذا الحق ومكنه من التسلط على صياغة نص العقد فقد ربط الأمر بالجانب العقدي الذي يمتثل له المؤمن الحق ويطيعه ويرعاه فخاطبه عز وجل بأمر ملزم يحاسب عليه يوم القيامة بقوله: {وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ} يتقي عقابه ويخشى انتقامه إن جحد الدين كله أو بعضه أو أنكر صنفه {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} والبخس يطلق لغة على النقص، يقال بخسه حقه إذا نقصه، وبخس الميزان إذا نقص منه، وتباخس القوم في بيوعهم إذا تغابنوا وتغاششوا، والضمير في"يبخس"يعود إلى المدين فلا ينقص من حق دائنه شيئا عند إملائه، كما يجوز أن يعود على الكاتب فلا ينقص من الحق الذي أمر بكتابته شيئا.
بهذه القيود الإيمانية والوعيد بالمساءلة يوم القيامة حفظ الوحي الحكيم حق الطرفين، إلا في حالة خاصة جعل لها عز وجل حلا آخر مناسبا، هي حالة السفيه الذي لا يحسن تدبير أمره، أو الجاهل بالإملاء والتعبير الدقيق السليم الموفي بالمقصود، وحالة العاجز عن النطق كالعَيِيّ والأصم والأبكم والضعيف لصغر سن أو شيخوخة متقدمة، في هذه الحالات وما في حكمها يتقدم للإملاء ولي المدين ومدبر أمره، قال تعالى: {فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ} الذي عليه الحق هو المدين إن عاق إملاءه عائق شرعي مثلما تقدم فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ