فهرس الكتاب

الصفحة 514 من 523

بِالْعَدْلِ، أي تنتقل ولاية إملاء الإقرار بالدين إلى أحد أولياء المدين الذين لا يرضون أن تهضم حقوقه أو تهدر، والولاية الشرعية للأب والوصي والوكيل ومن في حكمهم، أما الولاية العرفية فلكبار الأسرة أو القبيلة ومن في حكمهم.

وبعد تفصيل أحكام الكتابة وإملائها بالحق والعدل دون زيادة أو نقصان، انتقل الوحي الكريم إلى الأمر بتوثيق الكتابة نفسها بالإشهاد عليها فقال سبحانه وتعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ} ، أي أشهدوا على معاملاتكم المؤجلة رجلين من أحرار قومكم المعروفين بالعدالة والضبط تحملا وأداء، لأن إشهادهما يؤكد الكتابة ويزيدها وثوقا. فإن تعذر استشهاد رجلين لأي سبب، اكتُفِيَ بإشهاد رجل واحد وامرأتين ممن ترضون عدالتهم وقدرتهم على أداء الشهادة كلما طلبوا لها {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} .

لقد دعا التشريع الرجال أولا للشهادة لأنهم أولى بالمعاملات التجارية في المجتمع المسلم الذي تتوزع فيه مهام الحياة الاجتماعية بين الرجل والمرأة طبقا لطبيعة دور كل منها، فإن تعذر استشهاد رجلين صار حتما إتمام نصاب الشهادة برجل واحد وامرأتين، وإنما كانت المرأتان مع الرجل الواحد لمظنة نسيان المرأة التي تستشهد في معاملات لا خبرة لها بها، أو لا تستوعب ملابساتها، أو لا اهتمام لها بها لانشغالها بما هو أهم من ذلك كله، وهو دورها في إعداد أجيال الأمة من الصالحين والصالحات، لذلك حرص الوحي على أن تستشهد مع الرجل الواحد امرأتان إن نسيت إحداهما ذكرتها الأخرى: {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} ، وليس في الاستعاضة بامرأتين عن رجل واحد أي إنكار لكفاءة المرأة العامة أو إجحاف بمكانتها الرفيعة التي بوأها الإسلام إياها كما يدعي مرضى العقول والقلوب.

وسواء شهد رجلان أو رجل وامرأتان فلابد أن يكون كل واحد منهم رضي الدين والسلوك والأمانة، قال ابن عباس:"من أهل الفضل والدين والكفاءة"، وقال الشعبي:"ممن لم يطعن في فرج ولا بطن"، وقال غيرهما وهو التعريف الأجمع الأرضى:"المرضي من الشهود من اجتمعت فيه عشر خصال: أن يكون حرًا، بالغًا، مسلمًا، عدلًا، عالمًا بما يشهد به، لا يجر بشهادته منفعة لنفسه، ولا يدفع بها عن نفسه مضرة، ولا يكون معروفًا بكثرة الغلط، ولا بترك المروءة، ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة".

على أن الفقه المذهبي قد اختلف اختلافا كثيرا في أمر الشهود المشتبه في عدالتهم لاسيما وقد فشا فساد النوايا والأعمال في المجتمع، وشهادة النساء منفردات ومجتمعات في قضايا بعضها بعيد عن دائرة نشاطهن في المجتمع الإسلامي السوي كالحدود والجراحات مثلا، وبعضها مما يختص بهن وحدهن كأحوال الإناث التي لا يجوز للرجل الاطلاع عليها، فتفرقت السبل في الاجتهاد، ذهب المالكية مثلا إلى أن شهادة النساء لا تقبل في أحكام الأبدان كالحدود والقصاص والنكاح والطلاق والرجعة، ورأى الأحناف أنها تجوز في الأموال والطلاق والنكاح والرجعة وكل شيء إلا الحدود .. وهي اختلافات من فقه الفروع ليس علم التفسير مجالا لها. إلا أن الناظر في النصوص الواردة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت