كتابا وسنة إن استقصاها وتدبرها وحاول تنزيلها إلى واقع الناس المتغير بتغير أطوار الحياة واختلاف البيئات والعادات والنشاط اليومي لابد أن يلاحظ مرونة التشريع الإسلامي بما يكفل رعاية المصالح والمقاصد، بعد التدقيق فيما صح وما لم يصح من الروايات والأخبار، والتمييز بين سنته الثابتة صلى الله عليه وسلم وبين اجتهادات سلف الأمة الصالح، وبين ما سوى ذلك.
وكما أمر تعالى الكُتاََّبَ في أول الآية بكتابة ما يملى عليهم من الإقرار بالدين، وعَدَّ ذلك واجبا شرعيا وعبادة وقربى، كذلك حرم على الشهداء أن يأبوا تحمل الشهادة وأداءها فقال عز وجل: {وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُوا} لأن تلبية الدعوة لتحمل الشهادة فريضة وتلبية الدعوة لأدائها عند الحاجة إليها فريضة أيضا، وتحريفها والنكول عن تحملها وأدائها سواء، من الكبائر التي يحاسب بها المرء بين يدي الله، قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} الطلاق 2، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة و فشوا التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة وقطع الأرحام وظهور شهادة الزور وكتمان شهادة الحق) ، وعندما سئل عليه الصلاة والسلام عن الكبائر قال: (الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ، أَوْ قَالَ: شَهَادَةُ الزُّورِ، قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ) .
وفي بعض الأحيان قد يستصغر الناس الدين ويتهاونون بكتابته، فيترتب على ما استهانوا به خصام ونزاع يفسد الود ويقطع الأرحام ويبث بذور العداوة والشنآن بين المؤمنين، ويفسح المجال واسعا لِعَيْث الشيطان في نفوسهم وصَفِّهم، لذلك سدا لهذا الباب من الفتنة أكد الوحي دعوته إلى الكتابة والتوثيق فقال عز وجل: {وَلاَ تَسْأَمُوْا أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} أي لا تملوا كتابة مدايناتكم وتوثيق آجالها مهما كانت صغيرة أو كبيرة، لأن ذلك هو عين العدل الذي يرضاه الله تعالى، وأثْبَتُ للشاهد من أجل التذكر وأداء الشهادة إذا طلب لها، وللمشهود له إذا طالب بحقه {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ} وأقوى وسيلة يقوم بها العدل وتدفع بها الريبة وسوء الظن والتأويل والتكاذب عند أداء الحقوق أو فصل القضاء {وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا} .
هذا شأن القروض والمداينات إلى أجل مسمى، فما بال التجارة الحاضرة يدا بيد؟
إن الشرع الحكيم أباح في هذه الحالة عدم الكتابة لانتفاء المحذور فيها، ولعدم الحاجة إليها في الأغلب الأعم، فقال: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} ، أي ليس من إثم على الناس في ترك الكتابة، إلا أن الإشهاد بقي على أصل الوجوب بقوله تعالى عقب ذلك: {وَأَشْهِدُوْا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} أشهدوا على مبايعاتكم في كل حال، كان فيها أجل أو لم يكن، لأنه هو الاحتياط والحزم في رعاية الحقوق، وقد روى أحمد وأبو داوود والبيهقي (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ فَاسْتَتْبَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَقْضِيَهُ ثَمَنَ فَرَسِهِ فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَشْيَ وَأَبْطَأَ الْأَعْرَابِيُّ فَطَفِقَ رِجَالٌ يَعْتَرِضُونَ الْأَعْرَابِيَّ فَيُسَاوِمُونَ