بِالْفَرَسِ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَاعَهُ حَتَّى زَادَ بَعْضُهُمْ الْأَعْرَابِيَّ فِي السَّوْمِ عَلَى ثَمَنِ الْفَرَسِ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَادَى الْأَعْرَابِيُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعَا هَذَا الْفَرَسَ فَابْتَعْهُ وَإِلَّا بِعْتُهُ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الْأَعْرَابِيِّ فَقَالَ: أَوَلَيْسَ قَدْ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا وَاللَّهِ مَا بِعْتُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلَى قَدْ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ، فَطَفِقَ النَّاسُ يَلُوذُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَعْرَابِيِّ وَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ فَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: هَلُمَّ شَهِيدًا يَشْهَدُ أَنِّي بَايَعْتُكَ، فَمَنْ جَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: وَيْلَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لِيَقُولَ إِلَّا حَقًّا، حَتَّى جَاءَ خُزَيْمَةُ فَاسْتَمَعَ لِمُرَاجَعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُرَاجَعَةِ الْأَعْرَابِيِّ، فَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: هَلُمَّ شَهِيدًا يَشْهَدُ أَنِّي بَايَعْتُكَ، قَالَ خُزَيْمَةُ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُزَيْمَةَ فَقَالَ: بِمَ تَشْهَدُ؟ فَقَالَ: بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ).
لقد جعل الله التوثيق الكتابي للقروض الحسنة وديون المعاملات التجارية، وتحمل الشهادة عليها وأداءها واجبا شرعيا، على الكاتب والشاهد، وهذا قد يجر عليهما من المخاطر والأذى ما لا قبل لهما به، لذلك نهى عز وجل عن الإضرار بهما بأي وجه من الوجوه فقال: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} وعبَّر بحرف"لا"الناهية وصيغة المبني للمجهول للدلالة على تحريم الإضرار مطلقا، وعلى مسؤولية الدولة في حمايتهما من بعض المتبايعين الموتورين الذين لا يرضون بالحق والعدل، فإن لحق أحدهما أذي فهو تقصير من ولاة الأمر في حماية الحقوق، وفسوق عن الشريعة جرأ على انتهاك حرمتها {وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} ، والخطاب في هذا التحذير موجه بصيغة الجمع للأمة الإسلامية كافة بصفتها التضامنية ومسؤوليتها العامة عن حماية العدل ومكافحة الفسوق والظلم. والغريب في هذا التشريع الحكيم القاضي بحماية الشهود من عدوانية المتقاضين وقد سبق إليه الإسلام قبل أربعة عشر قرنا، أن أرقى دول الغرب وليست مسلمة كالولايات المتحدة الأمريكية مثلا قد اقتبسته وعملت به، ولا نجد له أثرا يذكر في تشريعات المسلمين، مما يشير إلى مدى تخلفنا عن الإسلام وعن ركب الحضارة المعاصرة.
ولعل ضمور التقوى في نفوس القادة والحكام، وغياب مراقبة الله وهم يسوسون شعوبهم، وتمردهم على تعاليم العقيدة والشرع، أهم عائق لهم عن الهداية والعلم والعمل، ولذلك عقب الوحي بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} ذلك أن التقوى مجاهدة نفسية وعملية نتيجتها الهداية والتوفيق إلى ما فيه أمن النفوس والأبدان والأموال، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} العنكبوت 69، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} الأنفال 29، وعِلْمُ الله تعالى محيط بخفي تصرفات الخلق في معاملاتهم المالية وعلنيها، دقيقها وجليلها. وبحقائق الأشياء ومآلاتها، وخفايا النفوس والنوايا وأسرارها