فهرس الكتاب

الصفحة 517 من 523

عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ سبأ 3.

هذا حكم التصرف في التجارة مناجزة يدا بيد إذا كان المتبايعون حضورا، أما في حالة السفر وتعذر التوثيق الكتابى كاتبا وأدوات كتابة كما قال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا} فالأمر على أحد احتمالين:

أولهما: {فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} أي يغني عن الكتابة والإشهاد رهان بيد رب الدين وثيقةً لدينه، والرهان جمع مفرده رهن، من فعل: رهن الشيءُ فهو راهن إذا دام واستقر، يقال نعمة راهنة أي دائمة، والرَّهْنُ جمع رُهون ورِهان ورُهُنٌ وهو ما وضع عند الإنسان مما ينوب مناب ما أُخذ منه، يقال رَهَنْتُ فلانًا دارًا فارْتَهنها إذا أَخذها رَهْنًا، قال الراغب:"الرهن ما يوضع وثيقة للدين"، والرهن شرعا جَعْلُ عينٍ مالية وثيقةً بدَيْن لازم أو آيِلٍ إلى اللزوم، عرفه ابن عرفة بقوله:"ما قبض توثقا به في دين، فتخرج الوديعة والمصنوع عند صانعه وقبْضُ المجنيِّ عليه عبدا جنى عليه"، والجمهور على أنه احتباس العين وثيقةً بالحق ليُسْتَوْفَى الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغرِيم.

والمعاملة بالرهن مطلقا في حالتي الحضر والسفر مباحة، وإنما خصها الوحي في هذه الآية بالسفر لمظنة تعذر الكتابة والاضطرار إليها وكثرة حدوثها في الأسفار الطويلة، وقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم رهن دِرْعَه عند يهودي طلب منه سلَف الشعير فقال: إنما يريد محمد أن يذهب بمالي، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلّم: (كذب، إنِّي لأمينٌ في الأرض أمينٌ في السماء، ولو ائتمنني لأدّيت، اذهبوا إليه بدرعي) ، فمات صلى الله عليه وسلّم ودِرعه مرهونة, وعن أنس رضي الله عنه قال: (وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرْعَهُ بِشَعِيرٍ، وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ] [1] [وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا أَصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا صَاعٌ وَلَا أَمْسَى وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ)

وقد قيدت الآية الرهن بضرورة قبضه بقوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} مما يدل على أن القبض شرط في الرهن ومن متمماته، وأنه لا يجوز رهن الغرر كالمشاع من الأملاك والسمك في الماء والثمرة قبل بدو صلاحها والجنين في بطن الناقة وما في حكم ذلك، وقال المالكية يجوز ذلك، في أحكام شرعية أخرى مفصلة بفقه الفروع.

وثاني الاحتمالين أن يتعذر الرهن والكتابة والإشهاد، فإن كان طالب الدين أمينا موثوقا به لدى الدائن وكانت له من القدرة المالية في الحضر ما يؤدي به دينه جازت المداينة بالتجارة والقرض، قال تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا} وتداينتم {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ} فما على المدين شرعا إلا أن يؤدي ما عليه من الدين وأن يتقي الله في مال غيره فلا يأكله بغير حق، ولعل سؤالا يتبادر إلى الذهن عن حال المحتاج الذي ليس له ما يرهنه وليس له

(1) - الإهالة هي الدهن، والسنخة التي تغير ريحها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت