فهرس الكتاب

الصفحة 520 من 523

بدا للأنظار، فقال: {لِلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} فلم يغب عن البصائر مغزى تعقيب التهديد بواسع العلم، بالوعيد بواسع الملك، والذي خلق لابد أن يعلم ما خلق وما في ضمير ما خلق، الكل له عباد تحت الطاعة وعبيد تحت الخدمة، ومتى حقق المرء معنى علم الله وخالقيته ومالكيته، أشرق قلبه بنور المعرفة، واستنار فؤاده بأشعة اليقين، واستشف ببصيرته الإيمانية نسائمَ ما يبشر به الوعد وعظائمَ ما يمهد له الوعيد.

تبدأ رحلة الإيمان بالاستسلام القولي دعوة للناس من الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) ، وبالإيمان القلبي بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} النساء 136، فيتجلى ما في القلوب طاعةَ جوارح وخشوعَ جوانح، عملا بالأركان وطاعة للرحمن، حتى إذا آنس القوم من أنفسهم رضا تداركتهم رحمة الله تعالى وألطافه، تطهرهم من الغرور والاغترار، تَخُض وجدانهم وتثير ما في ضمائرهم مما يخفونه والله عالم به، اختبار جديد أشد مما سبق، يزلزل الجنان وتهتز له الأحلام والعقول، إنه تعالى يتجاوز بخطابه إلى ما وراء القلوب، لاستكناه مساربها وأغوارها واستجلاء نجواها وخفاياها، ويختبر بما هو شاق وعسير، لا ليشق على العباد ولكن ليرى مدى التأهب والطاعة والاستعداد، قال تعالى: {وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

لقد اختبر عز وجل أمما سالفة سبقت لها الشقوة، فلم يبصر الحكمة منهم إلا قليل، ولم يثبت للاختبار إلا من رحم الله، لَجَّ بنو إسرائيل في الكفر والجحود والتشكيك والمجادلة تعنتا وتمردا واستكبارا، فكان اختبارهم برفع الطور فوقهم أو يأخذوا بقوة ما أنزل إليهم: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} البقرة 93، وإذ ثبت الإصرار على العصيان كان لابد من غضب إلهي تتلوه صواعق اللعنة مسخا في الدنيا وعذابا في الآخرة {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ} المائدة 78.

فماذا كان من أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذ خوطبت من فوق سموات ربها وبجلال عظمته وعلمه ومالكيته وقدرته في آيتين شديدتي الإيجاز عميقتي المعنى تتصدع لهما الجبال وتنهد لهما قلوب الرجال: {وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ} .

أن يحاسَب المرء بقول قاله أو عمل قام به له فيه قصد وعزم وإرادة أمر يسعى للنجاة منه ولا حول ولا قوة له إلا بربه. أما أن يحاسَب بخاطرة أخفاها أو أبداها، وخلجة نفس غلبت عليه فكتمها أو بدت على صفحة وجهه فذلك إحصاء شديد، ومن يملك من البشر أن يتطهر من الهواجس والظنون، وما يلقى في النفس من النجوى والشجون،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت