والعواطف المضطربة والأفكار المتلجلجة؟ من يستطيع أن ينجو في هذا الإحصاء والنفس أمارة والقلب تواق، والخيال سائب شرود؟
لذلك غَمَّت الآية المسلمين إذ سمعوها غما شديدا، واشتد عليهم الأمر فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضارعين مستشفعين، يشكون ويبكون، جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وناس من الأنصار إليه صلى الله عليه وسلم فجثوا على الركب وقالوا:"يا رسول الله، والله ما نزلت آية أشد علينا من هذه الآية، إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه وأن له الدنيا وما فيها، وإنا لمؤاخذون بما نحدث به أنفسنا، هلكنا والله"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هكذا أنزلت) ، فقالوا:"هلكنا وكُلِّفنا من العمل ما لا نطيق"، قال: (فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل لموسى: سمعنا وعصينا، قولوا: سمعنا وأطعنا) .
فما لبثت خير أمة أخرجت للناس أن تذكرت فأبصرت وأطاعت فنجت، ولهجت ألسنة الصحابة بالسمع والطاعة كما أمروا، خاشعة قلوبهم راضية أنفسهم، قالوا وهم يوقنون: {وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} فانفسحت آفاق الغيب لبصائرهم وانقشعت غشاوة الخوف عن أفئدتهم: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُون} الأعراف 201.
نجحت أمة الإسلام في الاختبار، واستوت قانتة بين يدي الجبار، راضية بأن يفعل بها ما يشاء، إنهم خلقه وملكه، وهم سعداء بخدمته وعبادته، ولا شأن لهم بما يريده وما يختاره من أمره، {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} النساء 65.
نجحت أمة المختار في الاختبار، {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} الزمر 73/ 74، فيا جنة الخلد ازدهري، ويا أزاهير الفردوس تفتقي، ويا حورها والنساء المؤمنات بها وقاصرات الطرف فيها تزينَّ وتعطرن وتبرجن، ويا أنهار اللبن والعسل والخمر اندلقي بين أشجارها ورياحينها ورياضها، ويا فرش الإستبرق وجنى الجنتين، أمة الإسلام سالمة، إلى جنة ربها قادمة، لقد سمعت ورضيت وسلمت أمرها وأحسنت، فيا سماء اشهدي ويا أرض تحدثي {فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} 59/ 60 الرحمن.
لقد قالوا سمعنا وأطعنا، فنزل التخفيف من التكليف، بشارةً بإحسان الثواب إلى من أحسن الجواب، في آيتين هما خواتيم سورة البقرة، شهادةً منه تعالى لنبيه الكريم وأمته بالإيمان والإحسان {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون ... } ، يعطيهم عز وجل ولا يمنعهم، يكرمهم ولا يعذبهم، يخفف عنهم ولا يحرجهم مَا يُرِيدُ اللَّهُ