لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ المائدة 6، {مَايَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} النساء 147.
تأتي استجابته تعالى من فوق سبع سماوات مشيعة بملك كريم لم ينزل إلى الأرض إلا يوم نزوله لتبليغها، في مهرجانِ عرسٍ صيتُه يملأ أرجاء الكون. روى مسلم والنسائي عن ابن عباس قال: (بيْنَمَا جبريلُ قاعدٌ عند النبيِّ صلى الله عليه وسلّم سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَقَالَ لَهُ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إلاَّ اليَوْمَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا، لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ؛ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ؛ لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهَا إلاَّ أُعْطِيتَهُ) . وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي ذر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش، فتعلموهما وعلموهما نساءكم وأبناءكم، فإنهما صلاة وقرآن ودعاء) . وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي) .
هاتان الآيتان لكرامتهما على الله تعالى أوحى بهما إلى نبيه صلى الله عليه وسلم مرتين: مرة في المرحلة المدنية إذ شيعتهما وشهدت عليهما الملائكة، وقبلها في المرحلة المكية ليلة المعراج في سدرة المنتهى، كما في صحيح مسلم إذ انْتُهِيَ به إليها فأُعطِي الصلوات الخمس وأعطِي خواتيمَ سورة البقرة وغُفِر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا المقحِماتُ، وهي الكبائر.
وروى الواحدي عن مقاتل بن سليمان أنه لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء أعطي خواتيم سورة البقرة، فقالت الملائكة: إن الله عزّ وجلّ قد أكرمك بحسن الثناء عليك بقوله {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} فسَلْهُ وارغب إليه، فعلمه جبريل عليهما الصلاة والسلام كيف يدعو، فقال محمد صلى الله عليه وسلم: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير} فقال الله تعالى: (قد غفرت لكم) ، فقال: {لاَ تُؤَاخِذْنَا} فقال الله: (لا أؤاخذكم) ، فقال: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} فقال الله: (لا أشدد عليكم) ، فقال محمد: {لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} فقال: (لا أحملكم ذلك) ، فقال محمد: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} فقال الله تعالى: (قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم وأنصركم على القوم الكافرين) ، وفي بعض الروايات أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان يذكر هذه الدعوات والملائكة كانوا يقولون آمين.
وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلّم في خبر المعراج: (قربني الله وأدناني إلى سند العرش ثم ألهمني الله أن قلت: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله كما فرقت اليهود والنصارى، قال: فما قالوا؟، قلت: قالوا سمعنا وعصينا والمؤمنون قالوا سمعنا وأطعنا، فقال: صدقت فسَلْ تُعْطَ، فقلت: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال: قد رفعت عنك وعن أمتك الخطأ والنسيان وما