فهرس الكتاب

الصفحة 523 من 523

استكرهوا عليه، فقلت: {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} ، يعني اليهود، قال: لك ذلك ولأمتك، قلت: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} ، قال: قد فعلت، قلت: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} قال: قد فعلت).

لقد أجمل الله تعالى في الآية الممهدة لخواتيم سورة البقرة وهي قوله: {وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} ما يغتفر لعباده وما لا يغتفر، ما يبدون من ذلك وما يخفون، وإبداء ما في النفس يكون بالقول فيما سبيله القول، وبالعمل فيما سبيله العمل، والإخفاء عكسه، أي: إن تعلنوا ما في أنفسكم من المعاصي أو تسروها ولا تظهروها، يحاسبْكم بها الله تعالى ويجازكم، والأمر له عز وجل في كل الأحوال يؤاخذ أو يعفو. هو القادر الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون {وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، ونظير هذه الآية في القرآن كثير، من ذلك قوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} الملك 13/ 14.

وإذ آنس عباده في أنفسهم التسليم والرضا والطاعة لما يؤمرون به يسيرا أو عسيرا، أنزل رب العزة عز وجل شهادته بتمام إيمانهم وإحسانهم فقال:

{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ} أي صدَّق الرسول صلى الله عليه وسلم والذين اتبعوه بما أنزل إليه من ربه، عقائد وأحكاما وسننا وبينات، تصديق إذعان وطاعة ورضا وإطمئنان.

{كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} كل واحد منهم آمن إيمانا تاما بالله تعالى وملائكته وكتبه المنزلة ورسله الكرام، كما بينه القرآن الكريم والسنة النبوية.

{لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} يؤمنون بجميع الرسل، وبأنهم أمناء الوحي والتبليغ عن الله تعالى، لا يفرقون بينهم في الاعتقاد، ولا يتبعون من الشرائع إلا شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل إليه من العمل.

{وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أي أعلنوا بألسنتهم صادقين أنهم سمعوا أمر الله تعالى ففهموه واستوعبوه ورضوا به وأطاعوه وصبروا على تكاليفه.

{غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} يسألونه المغفرة فضلا منه عليهم، ورحمة لضعفهم وتقصيرهم.

{وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} إليه عز وجل المرجع والمآب، يرجون رحمته ويخافون عذابه، منه وحده يكون الحساب والثواب والعقاب {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} الشعراء 88/ 89.

ثم عقب على موقف عباده المؤمنين وقد آمنوا وأطاعوا بتقرير قاعدة عدله عز وجل وعلمه بمحدودية طاقتهم وضعفهم فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت