فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 523

عندما تتفحص الروحُ ما حولها فتنكره, وتستعرض الأجنادَ المجندةَ حولها فلا تعرفها، وتستشعر ألم الغربة في مجتمعها، فتتوق إلى واحة أرواح تعرفها وتأتلف معها، إلى وطن رحب تقطنه وأهلٍ كرام تأنس بهم، ورفقة طريق منعَّمة تسعد بها، وسفينة هنيئة تشق فيها وبها عُباب المحيط ولججه ..

عندما يغترب الإنسان في وطنه، ويتفرد بين أهله وعشيرته، وتضيق نفسه من واقع وهدته، وتتحفز روحه للتخلص من آلام وحدته، وأوجاع قلقه وتوحُّده، وعماء تيهه وضبابية فكره واضطراب تصوره, وسوداوية الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة تراكمَ ظُلَم الليل البهيم

عندما يُعْرَض على القلب الشيءُ وضدُّه، والأمرُ ونقيضُه، فلا يدري أيهما يركب، ويحتار أيهما يختار، فيستشعر عجزَه، ويخرج عن حوله وقوته، ويوقن بحاجته إلى سَنَدٍ يشُدُّ أزْرَه، ومُسْتَنَدٍ يقيم أمره، وهادٍ يأخذ بيده من توتر الضلال وظلامية المتاهة إلى واحة الاطمئنان والسكينة، ويسافِر به من ضيق الجهل إلى رحابة المعرفة والرشد ..

حينئذ يهجر نفسَه، ويتنكر لعادته ويستأصل رعوناتِ جِبِلَّتِه وطِباعِه، بياضُ نهاره تَفَكُّرٌ وبحث عن الحق والحقيقة، فإذا أهَلَّ الليل فاضت المآقي دموعا ونأى الجنبُ عن وَطِيءِ الفراش، وهاج الشوق إلى معرفة المبتدأ والمنتهى، وأيقن أنه هالك لا محالة إن لم يُدركْه قَبَسٌ من هداية، ومشعلٌ من نبوة، ومشكاةٌ تنير الدرب، مشكاة لا يملكها إلا نور السماوات والأرض ...

إذ ذاك، وهو في جوف الليل أسْمَعِ الأوقات دعوةً، يطرُق سمعَه الخفيَّ وعقلَه السَّنِيَّ نداءُ ربه الجليل (من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) ، فينتفض من وهدة الغفلة إلى نَيِّرِ الطريق، وينطلق قلُبه قبل لسانه، ويلهج حالُه قبل مَقاله: {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} رب أنقذني واهدني لأرشد أمري، وخذ بناصيتي إلى صراطك المستقيم ...

هنالك ينير قلبَه يقينُ المعرفةِ، معرفةِ ما صدر من الأمر, ومعرفةِ منبعِ الصدور، إنه الرحمة الربانيةُ تُدرِكُ من سبقت في علم الله سعادتُهُ، فتَسْحَبُه من الشقاء إلى السعادة، وتستخلصُه من جحيم الضلالة وضنَك الغواية إلى نعيم الهداية وطمأنينة الإيمان، حينئذ يُسافَرُ به من غربة الضياع بين أرواح أنكرها واختلف معها، إلى أنس أرواحٍ يعرفها ويطمئن إليها ويرافقها ... أرواحٍ تستظل بالذكر الحكيم وتستفتح بالمثاني والقرآن العظيم، وتسترشد في حبها ورجائها وخوفها وولائها وبرائها بوَحْيِ رب العالمين الرَّحمن الرحيم ملك يوم الدين، وهنالك أيضا يُنْتَزَع من مقابر الغفلة والتيه والضلال إلى مشارف الحياة الحقة واليقظة المبصرة {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} الأنعام:122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت