ولئن كان على أفواهِ الجنة نهرٌ للحياة يستحم فيه الجهنميون الذين تدركهم شفاعةُ الرحمن، فيَنْبُتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ويخرجون إلى الجنة كاللؤلؤ يعرفهم أهل الجنة عتقاء أدركتهم شفاعة ربهم عز وجل، فإن نهرَ جنةِ الدنيا، جنةِ الإيمان واليقين والإحسان، هو أم القرآن، هو فاتحة الرحمة وبوَّابة الجنان، هذه البوابة الرحبة، فاتحةُ الخيرات والمبرات، وسبيلُ أولي العزم من الرجال، ونبراسُ السلوك للوصول إلى أسعد مآل، لأهميتها نتعبَّد بها في صلواتنا، ونقْنُت بها عند مناجاتنا، ونستنجد بها عند ضائقاتنا، ونستشفي بها في رقيتنا لأنفسنا وأبداننا، ونتثبت بمعانيها عند هجوم الغبش وطغيان الضلالة وتظاهر الجهالة.
شد الله تعالى بها أزرَ النبي الكريم صلوات الله عليه وسلامه وهو في مكة قبل الهجرة بين أنياب الجاهلية الأولى، وفي لفح لهيبِ التكذيبِ والاعتراض، ولَظَى عدوانية قريش ومرارة ظلم ذوي القربى؛ كان إذا برز سمع مناديًا يناديه: يا محمد، فإذا سمع الصوت انطلق هاربًا، فقال له ورقة بن نوفل: إذا سمعتَ النداء فاثبُتْ حتى تسمع ما يقول لك، فلما برز سمع النداء: يا محمد، فقال: لبيك، قال: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: قل {الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ الرَّحمنِ الرَّحيمِ مالِكِ يَومِ الدينِ} حتى فرغ من فاتحة الكتاب، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقال: {بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ} قالت قريش: رَضَّ الله فاك.
لقد كان نزول سورة الفاتحة في مرحلة مبكرة من عمر الدعوة المكية تمكينا للرسول صلى الله عليه وسلم من سلاح فعال في مواجهة مشاق الطريق، هو سلاح الدعاء، بما يتقدمه من حمد لله تعالى وثناء، وما يصاحبه من خشوع واستعانة ورهبة ورغبة وحسن رجاء، وما يختم به من أدب الاستعاذة من طرق الزيغ والبراءة من سبل الضلال. ولذلك امتَنَّ الله عليه بها في نفس المرحلة بقوله في الآية 87 من سورة الحجر وهي مكية بلا خلاف: {وَلَقَد آتَيناكَ سَبعًا مِّن المَثاني وَالقُرآنَ العَظيمَ} يعني الفاتحة.
وكانت سورةُ الفاتحة بذلك أنسَه في خلوته وترنيمتَه في محنته ونشيدَه عند مناجاة ربه، وتلاوتَه عليه الصلاة والسلام في صلاته قبل هجرته، ولذلك سماها الحمد وفاتحة الكتاب وأم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني، فقال فيما رواه أبو هريرة مرفوعًا: (إذا قرأتم الحمد فاقرءوا: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني) . وقال: (والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا الإنجيل ولا الزبور ولا في القرآن مثلها، إنها لهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) .
ولا غرابة فهي حقا سورة الحمد، لأنه يفتتح بها في المصاحف وفي التعليم وفي القراءة في الصلاة، ولأن الحمد فاتحة كل كلام، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:) كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيَّ فَهُوَ أَقْطَعُ، أَبْتَرُ، مَمْحُوقُ الْبَرَكَة (وقال:(وكُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأُ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ) .