بعد ظهور حركة النفاق في المدينة، وورود الكتاب والسنة به. واللفظ بذلك إسلامي بَحْتٌ نُقِل من أصل معناه اللغوي إلى معناه المصطلحي العقدي الجديد.
ذلك أن مادة"النون والفاء والقاف"في اللغة العربية أصلان صحيحان كما قال ابن فارس في مقاييس اللغة، يدل أحدهما على انقطاع شيء وذهابه، والآخرُ على إخفاء شيء وإغماضه، ومن الأصل الأول يقال: نَفَقَتِ الدابةُ إذا ماتت، ومن الأصل الثاني"النَّفَق"وهو جحر اليربوع وسَرَبُه، يتخذ له مخارج متعددة، أحدها يدعى النافقاء يغلقه بساتر ترابي رقيق، فإذا دهمه الخطر ضرب النافقاء برأسه فانتفق، أي خرج. قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ} الأنعام 35، ومنه اشتق لفظ النفاق الذي هو فعل المنافق، وقد اخْتُصَّ شرعا بالدخول في الإسلام من وجه والخروج عنه من آخر، كما يفعل اليربوع إذ يدخل نفقه من باب ويخرج من باب آخر.
وقد أطلق المصطلح الجديد أول الأمر قرآنيا على النفاق الاعتقادي المخرج من الملة، لأنه أول ما شاع في المجتمع عقب تنامي قوة المسلمين بانتصاراتهم السريعة في بدر وحنين وفتح مكة فأصبح يُخافُ جانبُهم وتُهابُ مكانتُهم، وأخذ ضعافُ الشخصية من المشركين وأهل الكتاب يعلنون الإيمان ويبطنون الكفر، كي يُحصِّنوا أموالهم ودماءهم.
بذلك ظهر في المجتمع الإسلامي ثلاثة أنواع من النفاق الاعتقادي: نفاق المعاندة، ونفاق الحيرة، ونفاق الجهالة.
فالمعاندون يضمرون الإصرار على ما ورثوه عن آبائهم من عقائد رافضين مراجعتها وعرضها للتمحيص والنقد، معرضين عن إخضاع ما لديهم للتحليل المنطقي والاستدلال العقلي.
والمتحيرون يضمرون التعلق بالمحسوسات والشك فيما عداها من المعقولات والغيبيات، وهم بذلك متحيرون فيما يلقى عليهم من أمر الدين بين ما لا تقبله حواسهم وبين ما يعرض على عقولهم وقلوبهم.
والجاهلون يضمرون اللامبالاة بالحال والمآل، وقد شغلهم اللهو والعبث والانكباب على الشهوات، عن التفكير في المحسوسات والمعقولات، أو التعصب لما ورثوا عن الآباء من عقائد وعادات.
ثم عندما انفرد المجتمع المسلم بالقوة والهيمنة وأصبح الكفار والمنافقون أقلية هينة، ظهرت بين بعض المسلمين تصرفات وخصال مخالفة لما أمر به الشرع، كالكذب وإخلاف الوعد وخيانة الأمانة والفجور عند الخصومة، مما حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم وسماه نفاقا زجرا عنه وتربية لأصحابه، فقال فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما: (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ