خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)، وقال الإمام علي رضي الله عنه: (لا تصحبِ المنافقَ، فإنه يزينُ لكَ فعلَه، ويَوَدُّ أن تكونَ مثلَه) .
بذلك كان النفاق في الشرع نوعين: الأول نفاق اعتقادي مخرج من الملة، هو ما أبطن صاحبه الكفر وأظهر الإيمان بقوله وعمله، وما تقررت صفاته في مستهل سورة البقرة وفي سورة"المنافقون"و"الحشر"و"التوبة"و"النساء"وبثت في سياقات أخرى كثيرة من القرآن الكريم، وعاقبته الخلود في النار إن لم تكن توبة، قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} النساء 145، والنوع الثاني من النفاق هو الأصغر، غير مخرج من الملة، متعلق بالسلوك والعمل والقلب محتفظ بالإيمان.
ولما كانت مهمةُ الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ومهمةُ ورثتهم من العلماء والدعاة بعد التبليغ بشارةً ونذارةً، هي تنزيل الدين بأحكامه وتشريعاته وحركيته في المجتمع حيا يمشي على الأرض، فإن الله تعالى تكفل لنبيه صلى الله عليه وسلم بكشف ملابسات الواقع الذي يعمل فيه، بسلبياته وخلفياته، وفضح نشاط الأعداء المجاهرين والمتسترين، في آيات محكمات مجموعها يشكل قواعدَ لا تخطئ عند رصد حركة المتربصين بالعقيدة وأهلها في كل زمان ومكان، قواعدَ مرشدةً وهاديةً للأجيال المؤمنة المتعاقبة على حمل أمانة التبليغ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
لذلك كانت آيات سورة البقرة الخاصة بالمنافقين، مركزة على كشف تركيبتهم النفسية، وأسلوبِ مجادلتهم عن أنفسهم وتمويهِهِم على واقع انحرافهم، وطبيعةِ أمراضهم القلبية، وخبثِ طويتهم المعتلة، وهوانِ جِبِلَّتِهم الخائرة الجبانة التي تحسب كل صيحة عليها.
ولئن أجملت الآيتان السابقتان {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ... } البقرة 6/ 7 حالَ جميع أصناف الكفر بأبلغ عبارة وأشدها إيجازا وتوضيحا، فقد ثَنَّتِ الآياتُ بعدهما بكشف فئة من هؤلاء الكفار هم فئةُ المنافقين فقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} البقرة 8.
إن من هؤلاء الكفار المعاندين الذين لا تفيد فيهم نِذارة ولا تنفعهم بشارة، طائفةً مختوما أيضا على قلوبها وأسماعها، وعلى أبصارها غشاوة، طائفةً حذر الله تعالى المؤمنين من أن يكونوا مثلهم فقال: {وَلَا تَكُونُوا كَالّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} الأنفال 21، أي كالمنافقين الذين يظهرون الطاعة والإيمان ويُسِرُّون المعصيةَ والكفر، وجعلهم شَرَّ ما دَبَّ على وجه الأرض فقال: {إِنّ شَرّ الدّوَابّ عِنْدَ اللّهِ الصّمّ الْبُكْمُ الّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} الأنفال 22، أي المنافقون البُكْمُ عن قول الحق الصُّمُّ عن سماعه الجهلةُ لواقع كفرهم وعاقبة أمرهم، وهم لتمَيُّزِهم عن الكفار