فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 523

المجاهرين بالخبث والمخادعة والجبن والخور، أخطر على المجتمع المسلم من غيرهم، لاندساسِهم فيه ومعرفتِهم لأخباره وأسراره، وولائِهم السري لأعدائه والمتربصين به، واستعدادِهم النفسي للمشاركة في أي مؤامرة عليه. ولئن قال تعالى عن عموم الكفار المعاندين: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} البقرة 6، فقد قال عن هؤلاء المنافقين: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} المنافقون 6، وقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُم} التوبة 80.

أول صفات هذا الصنف من الناس طبيعةُ الخنوثة فيهم، فلا هُمْ رجال بتمام رجولتهم، ولا إناث بكامل أنوثتهم، ومن الرجال عمر وخالد رضي الله عنهما، إذ جاهرا بالعداوة كفرا ثم جاهرا بالولاء للمسلمين إيمانا، ومن النساء زينب رضي الله عنها إذ واجهت الظلمة وأفحمتهم وهي أسيرة بين أيديهم، وغزالة التي دخلت الكوفة على الحجاج بن يوسف ففر من بين يديها وأغلق عليه قصره فقال فيه الشاعر:

أسدٌ علي وفي الحروب نعامةٌ ربداء تجفل من صفير الصافر

هلا برزت إلى غزالة في الوغى بل كان قلبك في جناحي طائر

صدعت غزالة قلبه بفوارسٍ تركت مدابره كأمس الدابر

أما المنافقون فهم خلق مشوه النفسية، لا يستطيعون أن يقفوا موقفا للرجال ولا موقفا للإناث، وتراهم يقولون آمنا جبنا وخوفا وخديعة وما هم بمؤمنين. هذه طبيعة المنافقين في كل عصر، خنوثةٌ في التركيبة النفسية، لا رجولةَ فيها ولا أنوثة، يتسللون لِواذًا من مجالس المؤمنين ليبلِّغوا أخبارَهم للظالمين وأعداء الدين، ويحللوا أعمالَهم وتصرفاتِهم وخفيَّ مقاصدهم ونواياهم لكل من يُغْدق العطاء ويملأ الدلو ويقرِّب الرِّشاء، فإذا انكشف أمرهم جادلوا عن أنفسهم بما لا يقبله عقل ولا يجيزه شرع. فإن كانت للظالمين جولة حمدوا شطارتهم وذكاءهم، وإن كان للمؤمنين نصر ادعوا مناصرتهم باندساسهم في محيط أعدائهم من الظالمين، فإن عوتبوا على ما يفعلون سموا نفاقهم سياسة ودهاء وشطارة وذكاء.

ولعل أبرز صفات الخنوثة فيهم أنهم لا يستقر لهم حال، مذبذبون في مواقفهم وأفكارهم، تنمو أجسادهم ولا تنمو عقولهم، رعاديد يحسبون كل صيحة عليهم، أفئدتهم كريشة في مهب الريح، لا يعول عليهم في حرب أو سلم، يخذلون الصديق ويسلمون الحليف و الرفيق، ولا ينصرون حتى أنفسهم في مواقف البلاء والضيق {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} المنافقون 3/ 4، ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت