نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ الحشر 11/ 12.
إن جِبِلَّةَ الخنوثة بما تتميز به من ميوعة هَيِّنَةٍ وخداع ذليل، باديةٌ حتى في أسلوب ادعائهم الإيمان بقولهم {آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ} ، واقتصارِهم على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر مضمرين كيفية هذا الإيمان وصفته، ذلك أن إيمانهم في الحقيقة ليس كإيمان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، بل منهم من كان يضمر اليهودية أو النصرانية، وتصوره لله تعالى فاسد بالتجسيد ونسبة الولد له، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ومنهم المنافقون من أصل الشرك متعلقون بالأوثان قربى وزلفى.
كذلك اقتصارُهم على ذكر الإيمان المُجمَل بالله وباليوم الآخر، مجردُ تهرُّبٍ من ذكر الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وبالقرآن وما جاء به من تعاليم، ومحضُ تدليسٍ على المؤمنين بإيهامهم أن حيازة الإيمان بطرفيه، المبدأِ والمعادِ، كافيةٌ للتدليل على إيمانهم بما سوى ذلك، بل حتى لو قصدوا حقيقة الإيمان بالله واليوم والآخر لم يكن ذلك منهم كافيا لأنه لابد من الإقرار بما جاءت به الرسالة الخاتمة ونبيها صلى الله عليه وسلم، فكيف وما أعلنوه بأفواههم مجردُ خبث ومخادعة وتدليس وتلبيس.
من هذا التشوُّهِ النفسي للمنافقين تنبعث الانحرافاتُ الأخرى، وعلى رأسها الكذب، إذ الكذب صفة الضعيف الذي لا يطيق الصدق ولا يتحمله، لا يستطيع قوله ولا يستطيع سماعه، وهو من أخص صفات المنافقين، وعندما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم هل يكذب المؤمن؟ قال: (إنما يفتري الكذبَ من لا يؤمن) ، لذلك جاء القرآن بتكذيب دعواهم الإيمان ونفي مزاعمهم فيه بقوله تعالى {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} ، كما أكذبهم في الآية الأولى من سورة"المنافقون"بقوله: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} .
إن تكذيب الله تعالى لما ادَّعَوْهُ من الإيمان جاء على أبلغ صورة بيانية، إذ ورد بجملة اسمية منفية بقوله {وَمَا هُمْ ... } ومؤكدة بالباء في قوله {بِمُؤْمِنِينَ} ، فكشف خُلُوَّ قلوبهم من الإيمان على سبيل الإطلاق، سواء الإيمان بالله أو باليوم الآخر أو بالرسل أو الكتب أو الملائكة أو بغير ذلك مما جاءت به النبوة الخاتمة.
ثم بين سبحانه ما دفعهم لادعاء الإيمان فقال: {يُخَادِعُونَ الله والذين آمَنُوا} ، والخداع صنو الكذب، من أمٍّ هي الخُنوثةُ وأبٍ هو النفاق. والخداع من أصل لغوي واحد معناه الإخفاء، من قولهم خَدَع الضبُّ إذا توارى في جحره