فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 523

ومَوَّهَ على صائده، والخَدْعُ أن يستر عنك وجهَ الصواب فيوقعك في مكروه، وخادَعَه مُخادَعة وخِداعًا، أي خَدَعه وأظهر له ما يوهِم السلامة والسداد، وأبطن ما يقتضي الإضرار به والتخلص منه.

وسواء كان لفظ"يخادعون"بمعنى يخدعون، أو بمعنى المفاعلة والمشاركة، وقد جلَّ الله عن المشاركة في المخادعة، وعن الخدع ابتداء وجزاء، وهو أعلى من أن يخادع المنافقين أو يخادعوه، أو يوقعوا في علمه خلاف ما يضمرونه، وهو يعلم سرهم ونجواهم وعلانيتهم ومدخلهم ومخرجهم ومشهدهم ومغيبهم، فإن المعنى في هذه الآية يشمل المخادعة والخدع، على اعتبار أن المنافقين لفساد تصورهم لله بما وقر في قلوبهم من تجسيد وتشبيه، يتوهمون أنه يجوز في حق الله ما يجوز في حق المخلوق، ويتخيلون إمكانية مخادعة الله وخداعه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأن صيغة المفاعلة أيضا في أصلها للمبالغة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده، وصيغة"يُفاعِلُ"تقع كثيرًا في اللغة للواحد نحو عاقَبْتُ اللِّصَّ وطارَقْت النعلَ.

على أن في الآية ما يعد مجازا بالحذف، بتقدير أن قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ الله والذين آمَنُوا} معناه:"يخادعون رسول الله والذين آمنوا"، وقد ورد مثل هذا التعبير في القرآن كثيرا، مثل قوله تعالى: {إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله} الفتح 10، فذكر نفسه وأراد به رسوله، وقوله: {واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} الأنفال 41، فأضاف السهم الذي يأخذه الرسول إلى نفسه وهذا المعنى أقرب إلى التصور، على اعتبار أن المؤمنين بشر تجوز الخديعة عليهم، وتجوز في حقهم المخادعة، إلا أنهم أكرم من أن يخدعوا غيرهم، لأن ذلك مناف لأخلاق دينهم، وطبيعة رسالتهم واستعلاء نفوسهم عن حضيض الختل والخيانة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تخن من خانك) .

ولعل من دقيق المعاني في هذه الآية الكريمة، إشارتها إلى الموالاة الراسخة بين الله تعالى وبين المؤمنين، إذ قرن اسمه الجليل بهم في قوله عز وجل: { ... اللهَ والذينَ آمَنوا ... } ، فجعلهم في صفه، وجعل عدوهم عدوه، وحربهم حربه، ومعركتهم معركته، ونصرهم نصره، قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا} البقرة 257، {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} آل عمران 68، {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} الجاثية 19، وفي الحديث القدسى الذي رواه البخاري: (إِنَّ اللَّهَ قَال: َ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَه ُ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت