وإشارتان أخريان في الآية أولاهما للكفار والمنافقين فيها تهديد ووعيد ضمني بأن الله تعالى في صف المؤمنين حَرْبٌ على من يريد خداعهم أو ينوي الإضرار بهم، قال تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} الأنفال 62، فما ظنهم بقوم حسيبهم الله في مواجهة مكر الماكرين وغدر المخادعين؟.
والإشارة الثانية تطمين للمؤمنين بالمعية الإلهية والعون الرباني تقوية منه تعالى لنفوسهم، وتثبيتا لقلوبهم وتأكيدا للوثاق الذي واثقهم به على النصر في الدنيا تمكينا لهم وقهرا لأعدائهم، أو النصر استشهادا في سبيله وخلودا في الجنة مع الأنبياء والصديقين والشهداء.
لذلك عقب تعالى على محاولة المنافقين الخداع والمخادعة بتسفيه أحلامهم وتكذيب ظنونهم، وكشف خَطَل مكرهم وتفاهة كيدهم بقوله {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} .
وسواء قرئت"يخدعون"أو يخادعون"فالمعنى واحد والنتيجة واحدة هي أن وبال خداعهم يعود عليهم بافتضاح أمرهم في الدنيا واستيجابهم غضب الله في الدارين، والأنكى أنهم لا يشعرون بسوء ما يفعلون وخطورة ما ينتظرون. لا يشعرون بأن ما يمارسونه يوردهم العطب، ويجرعهم صاب العذاب وعلقم العقاب، ذلك أن المخادع يرتقب إحدى نتيجتين لخداعه، إما أن ينتج خيرا له ويحصل له ما يريد، وإما أن يَسْلَمَ لا له ولا عليه، وهؤلاء عاد خداعهم عليهم ضررا في الدنيا وعقوبة في الآخرة."
وهذه الآية تصريح واضح بَيِّنٌ بأن الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه لا يخدعون المنافقين ولا يخادعونهم، لأنها حصرت الخداع في المنافقين ابتداء وانتهاء مبادأة ومجازاة، فبينت أن مكرهم عائد عليهم {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه} فاطر 43، وأشارت ضمنا إلى أن المؤمنين لهم مهمة واحدة هي صدق المناصحة للناس، وخلوص الرحمة لهم والشفقة عليهم والحرص على إنقاذهم.
ثم بَيَّن عز وجل أن سبب غباء عقولهم وتبَلُّد شعورهم وجهلهم بارتكاسهم في النفاق، وعمههم عن سبل النجاة، وعمائهم عما ينقذون به أنفسهم مما هم فيه من المخادعة التي ارتدت على وجوههم، هو فسادُ آلة الإدراك لديهم، إذ في قلوبهم مرض يعوق استخدامها فيما خلقت له، وفي تفكيرهم خلل يعوق عملية التمييز بين الصواب والخطأ وبين الحق والباطل، فقال سبحانه: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} .
ولئن كان مرض القلب عادة يتضمن الشك في الحق، والشهوة للمحرمات، والضعف عن القيام بالواجبات، فإنه يعني في عمومه مرض جهل وخور وهوان وضَعَةٍ، أعقبهم أمراضا أخرى حسدا للمؤمنين وحقدا على الصادقين وكراهية للتائبين، وبغضا للثابتين على الصراط المستقيم، وولدت هذه الأمراض بدورها في نفوسهم عللا أخرى من الهم والغم