والحزن والكمد والحيرة والخوف الدائم والهلع المقيم. مع ما يتبع ذلك في الآخرة من العذاب الأليم الموجع. جزاء وفاقا لما يمارسونه من كذب على الله وعلى المؤمنين، وتكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الحق المبين.
ولئن كان الكفار المجاهرون قد حددوا موقفهم من الدين الجديد وأهله، بكل وضوح، فإن هؤلاء المنافقين تحولوا بأمراض قلوبهم وتشوه خلقتهم النفسية إلى آلة للفساد متحركةٍ في المجتمع بطرفيه المؤمنِ والكافرِ، تثبيتا للكفار على كفرهم، وتحريضا على محاربة المسلمين ومواجهتهم، وتشكيكا في العقيدة وتخذيلا لأهلها، وتجسسا على المؤمنين وكشفا لأخبارهم وأسرارهم، واستهزاء وسخرية بهم، وإشاعة للأكاذيب والأراجيف عنهم، وإصرارا على ما نذروا أنفسهم له من شر، حتى إنهم كانوا يرون فسادَهم عينَ الصلاح، فيناظرون عليه ويجادلون عنه بمختلف الشُّبَهِ، كما هو حال منافقي الصحوة المعاصرة الذين خانوها وانطلقوا يتكسبون بأسرارها ويرتزقون بأخبارها ويتهافتون على المناصب لدى الظالمين بمساعدتهم على محاولة إضعافها وتخريبها، ويزعمون أن ما يقومون به هو الإصلاح الحقيقي {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} .
ولما كان بين المسلمين من قد يتأثر بشيطنة المنافقين ويغتر بشبهاتهم، لا سيما والمؤمن في بعض أحواله غرّ كريم والمنافق خِبّ لئيم، فقد حذر سبحانه من الركون إلى المنافقين، مثبتا فسادهم الكامل المتأصل فيهم، إثباتا قطعيا مؤكدا بحرف التوكيد"إن"والجملة الإسمية بعدها فقال: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} ، وما انعدامُ شعورهم بإفسادهم إلا لأن الفساد صار جزءا من تركيبتهم النفسية، وسجيةً في طبيعتهم السلوكية، لا يشعرون بأي غرابة له في خَلْقِهم وأخلاقهم.
ولئن نزلت هذه الآية في منافقي الفترة المدنية فإن المعول عليه في معناها هو عموم اللفظ، ولذلك ذكر ابن عباس أنها تعني المنافقين الذين كانوا يبررون مواقفهم بقولهم:"إنما نريد الإصلاحَ بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب"، في حين أن سلمان الفارسي قال عن المقصودين بها:"ما جاء هؤلاء بعدُ"، وكلا القولين يعكس وعيا حركيا وعقديا لدى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تفتقده الدعوة الإسلامية في كثير من عصورها، ولعلنا نتذكر كيف ينشق عن الركب المسلم من يتقرب إلى مختلف الطوائف الضالة مدعيا محاولة توحيد المسلمين تحت رايات عِمِّيَّةٍ، جامعةٍ كما يزعم، قوميةً أو وطنيةً أو ديمقراطية أو لبرالية أو اشتراكية. وما بهم من توحيد، إن يريدون إلا ارتزاقا ونصبا.
إن إصرار المنافقين على ادعاء الإصلاح وهم المفسدون لا يوازيه جهلا ونزقا إلا كبرياؤهم الزائفة وتعاليهم على المؤمنين، واحتقارهم لساداتهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعل ناصحا مشفقا بهم قد يكون الرسول