صلى الله عليه وسلم نفسه وقد يكون غيره من المؤمنين، قد حاول ردهم عن غيهم واستدراجهم إلى الإيمان الصحيح المقبول، فعتوا وتكبروا واعتزوا بما لديهم من انحراف عقدي، وسوء خلق في الرد والرفض، فأنزل الله تعالى فيهم قوله {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} . وهي آية في غاية الوضوح لما ينبغي أن يكون عليه الإيمان.
ذلك أن الناس المُقْتَدَى بهم في الإيمان كما ورد في قوله تعالى: {كَمَا آمَنَ النَّاسُ} هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم سلفنا الصالح الذين شهد الله لهم بالإيمان الحق وجعلهم قدوة فيه، لأن عقيدتهم صافية، لا تعطيل فيها ولا تشبيه ولا تجسيد، ولا قولا بغير علم، وأثنى على معيتهم لرسوله واتباعهم لسنته وهديه فقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} الفتح 29، وقال: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة 100، وتوعد من لم يتبع سبيلهم بسوء المصير فقال: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} النساء 115.
لقد كان إيمان المنافقين الحقيقي هو ما احتفظوا به من أصل ديانتهم الموروثة، شركيةً تتخذ الأوثان أربابا وواسطة، أو يهوديةً ونصرانيةً تتصور الله تعالى والغيب بكل مقوماته على غير ما ينبغي، لذلك أرشدهم الناصح لهم إلى نموذج حي للإيمان هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يعايشونهم في بلدتهم ويتعاملون معهم في الحياة العامة.
وكان حريا بالمنافقين المبادرة إلى استيعاب هذه النصيحة الموجهة إليهم، بالتخلص من أمراض قلوبهم لتُمْلأَ بالإيمان الحق، وبتطهير ألسنتهم من الكذب لتنطق بالشهادتين صادقة، وبتزكية أعمالهم من الرجس ليقيموا أركان الإسلام في تصرفاتهم وعباداتهم ومعاملاتهم، إلا أن جهلهم غلب أحلامهم، وسَفَهَهُمْ غطى على معالم الرشد فيهم، فأخذتهم العزة بالإثم وطغى عليهم الحسد للصحابة والبغض لهم فكان ردهم الاعتباطي المزاجي المرتجل: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ؟} ، وهو استفهام إنكاري قصدوا به التبرؤ من الإيمان على أبلغ وجه، والتعريض بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما نالهم من الأذى في سبيل الله هجرة عن الأوطان، ومفارقة للزوج والولد، وخسارة للأموال والمكاسب، ومعاداة للأهل والأقارب، واستشهادا في الجهاد، وهو ما قصدوه وسموا به الإيمان والبلاء فيه سفاهة.