فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 523

والكفر والنفاق تعقلا ورشدا، ولذلك رد رب العزة عليهم، وأخبر أنهم هم السفهاء على الحقيقة بقوله {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} .

ولئن كان الرشد وتمام العقل هو معرفة المرء بمصالحه القريبة والبعيدة الدنيوية والأخروية، وكان السفه والسفاهة والجهل والتصرف بمقتضى الهوى والمزاجية وردود الفعل الاعتباطية، وفساد البصيرة وخفة الأحلام هو ما تميز به المنافقون في أقوالهم وأعمالهم وردودهم، فإن حقيقة السفه منطبقة عليهم متلبسة بهم. إذ السفيه لغة وعرفا هو الجاهل ضعيف الرّأي قليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار؛ ولهذا سمى الله عز وجل الصبيانَ والمجانين والمتخلفين عقليا والذين لا يحسنون التصرف في المال من النساء والرجال سفهاءَ بقوله: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} النساء 5.

وبعد أن أثبت الله تعالى في حقهم السفاهة، عقب تقريرا لجهلهم المطبق بقوله (وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ أي أن من تمام سفههم أن جهلهم مركب، فهم ضلال ويجهلون أنهم ضلال، وهو أبلغ وصف لبعدهم عن الهداية. ولما كان الأمر في الآية السابقة بترك الفساد معطوفا عليه بوصفهم بانعدام الشعور {ولكن لايشعرون} لأن الفساد مدرك بالحواس المشتركة بين المنافقين والبهائم، فإنه تعالى في آية الأمر بالإيمان عقب بقوله {ولكن لا يعلمون} ، لأن العلم نقيض الجهل، ولأن الإيمان من مدركات الفكر وإمعان النظر، وهو منفي عنهم للسفاهة المطبقة على عقولهم، فناسب ذلك وصفهم بقوله تعالى فيهم {ولكن لا يعلمون} .

ثم لما بين تعالى أقوالهم في الآية الأولى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا ... } ، وفي الآية الثانية ردودهم على النصيحة بترك الفساد {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ... } ، وفي الآية الثالثة ردودهم على دعوة الإيمان الحق {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ ... } ، انتقل من تبيان الأقوال إلى كشف سيرتهم في التصرفات والأعمال، فقال عز وجل: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} ، وتم بذلك الختم على القلوب، وأطبق الصمم على الأسماع والبكم على الألسن والغشاوة على الأبصار.

ودلت الآية على أن المنافقين لضعف نفوسهم وغباء عقولهم لم يكونوا إلا مؤتمرين بأسياد لهم في الكفر (شياطينهم) يخشونهم ويخافونهم، ويلجأون إليهم كل حين مؤكدين ولاءهم وتبعيتهم وذيليتهم، وذلك شأن المنافقين في كل زمان ومكان، لذلك تراهم مذبذبين بين أسيادهم من أئمة الكفر وصناديده، وبين المؤمنين بالله ورسوله، يطمئنون الكفار بثباتهم على الضلال وتشبثهم بالجحود وبقاء موقفهم معهم وولائهم لهم، بجملة اسمية مؤكدة بحرف النصب والتأكيد"إن"، ويبررون لهم ملاينتهم الشكلية للمسلمين بأنها مجرد استهزاء وسخرية بأهل الإيمان، ويتلافون انكشاف أمرهم لدى المؤمنين بقولهم لهم بصيغة الماضي غير المؤكد (آمَنَّا) ، فهم في تعاقبهم بين الكفار والمسلمين كالشاة العائرة بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت