غنمين، كما وصفهم أبلغ وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين تَعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة، ولا تدري أيهما تتبع) وفي رواية (مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين إذا أتت هذه نطحتها وإذا أتت هذه نطحتها) ، وكما ورد في شرح سنن النسائي: (العائرة: أَيْ الْمُتَرَدِّدَة بَيْن قَطِيعَيْنِ مِنْ الْغَنَم وَهِيَ الَّتِي تَطْلُب الْفَحْل فَتَتَرَدَّد بَيْن قَطِيعَيْنِ وَلَا تَسْتَقِرّ مَعَ أحَدهمَا وَالْمُنَافِق مَعَ الْمُؤْمِنِينَ بِظَاهِرِهِ، وَمَعَ الْمُشْرِكِينَ بِبَاطِنِهِ تَبَعًا لِهَوَاهُ وعرْضه الْفَاسِد فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ تِلْكَ الشَّاة، وَفِيهِ سَلْب الرُّجُولِيَّة عَنْ الْمُنَافِقِينَ) .
ولئن كان الاستهزاء لغة من فعل هَزَأَ منه، وبه، كمنع وسَمِعَ، هُزْءًا وهُزُؤًا ومَهْزُأَةً أي سَخِرَ، فإن اعتذار المنافقين لشياطينهم من الكفار جاء مطلقا بقولهم {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} ، أي نستهزئ ونسخر من الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه، مما يبين طبيعة نفوسهم الهازلة الخائرة، التي لم تألف الجد والحزم في حياتها، فصار التهاون والتساخر سجية لازمة لهم في جميع أمرهم، والغفلة عن الحال والمآل والمسير والمصير سمة ممارساتهم اليومية، ولذلك عندما عرض عليهم الإيمان حجبتهم غشاوة التساخر في قلوبهم عن أخذ الأمر بجد وواجهوه بالاستهزاء، فكان جزاء هذا الموقف الأحمق الأرعن منهم قوله تعالى في حقهم: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} .
ولأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله عز وجل بالإجماع، فإن استهزاء الله بهم على وجهين:
الأول أن يكون المنافقون مهزأة في الدنيا والآخرة، في الدنيا إذ أخبر الله تعالى المؤمنين بحال المنافقين وأسرارهم ومخاتلتهم، وهم يظنون أن أمرهم مستور، وفي الآخرة في قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} الحديد: 13، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} 29/ 36.
والثاني باعتبار أن يكون معنى {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} : يجازيهم على هزئهم كما هو المختار عند أهل اللغة، أي يجازيهم جزاء استهزائهم، وقد سمى جزاء الذنب باسمه لأنه في مقابلته، كما قال أيضا: {وجزاءُ سَيِّئةٍ سَيِّئةٌ مِثلُها} ، فالثانية ليست بِسَيِّئة في الحقيقة إِنما سميت سيئة لازْدِواجِ الكلام. وهذا منه تعالى عين العدل، إذ شرحه بقوله {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي أنه تعالى يمهلهم {وَيَمُدُّهُمْ} ، ويكلهم إلى ضلالهم وغلوهم وتطرفهم في الكفر {طُغْيانِهِم) الذي يتمسكون به، يَعْمَهُون} يتحيرون عُمْيَ البصر والبصيرة. قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} الأعراف 182/ 183.