بهذه الآيات الكريمة الأربع: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا ... } و {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا ... ) و وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ ... } و {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا .... } ، تُسْتَجْمَع المحاور الأربعة المكوِّنة لشخصية المنافق في كل زمان ومكان، وقد أوجزها رب العزة تعالى في أول سورة البقرة بأسلوب سهل ممتنع جامع مانع، ونثر في غيرها من السور الأخرى إضاءاتٍ لهذه المحاور ممارساتٍ للمنافقين وتصرفاتٍ وأعمالا، وسواء كان النفاقُ أكبرَ، مخرجا من الملة، أو أصغرَ، قاصرا على الأعمال، فإن هذه الآيات الكريمة ترسم ملامح أهل النفاق بصنفيه العقدي والسلوكي رسما معبرا رهيبا فاضحا، لأن النفوس إذا ما ألفت النفاق السلوكي وارتاضت عليه وألفت المجادلة عن الباطل بالشبه، ودفع الحق بالمتشابه، وصار ذلك فيها سجية وطبعا، كان انتقالها إلى النفاق الأكبر أسهل وأقرب.
وبعد أن تمت نعمة الله على المؤمنين بهتك أسرار النفاق وفضح مكره وكيده، شفى صدورهم وأذهب غيظ قلوبهم وكشف لهم عاقبة المنافقين ومآل أمرهم وأصدر في حقهم حكمه العادل الصارم، فقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} .
لقد استخدم القرآن في هذه الآية الكريمة لغة التجارة، بيعا وشراء وربحا وخسارة، إشارة منه تعالى إلى طبيعة عمل المؤمن في الحياة الدنيا وهي كما قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} الصف 10/ 11، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} فاطر 29، وقال صلى الله عليه وسلم: (النَّاسُ غَادِيَانِ فَمُبْتَاعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا وَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُوبِقُهَا) ، وفي رواية أخرى: (النَّاسُ غَادِيَانِ فَغَادٍ بَائِعٌ نَفْسَهُ وَمُوبِقٌ رَقَبَتَهُ وَغَادٍ مُبْتَاعٌ نَفْسَهُ وَمُعْتِقٌ رَقَبَتَه) ، أي أن الناس كالتجار في الدنيا، ما بين بائع نفسه للشيطان فمهلكها، ومشتر نجاته بالطاعة والإيمان والعمل الصالح فمعتقها من النار، وإذا كانت هذه هي التجارة الحقة المنقذة من ضلال الدنيا وعذاب الآخرة، فإن تجارة المنافقين بائرة خاسرة، لأنهم باعوا الهدى بالزهد فيه والإعراض عنه، واشتروا الضلالة واستحبوها وآثروها ظنا منهم أنها فلاح ونجاح وربح، فكانت محصلة تَجْرِهم، خسارة مزدوجة، خسارة للآخرة خلودا في النار، وخسارة في الدنيا بالهوان والذل والخروج من الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف ومن نور البصيرة إلى عَمَهِ العقول والأبصار {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} الحج 18.
وبعد أن استجمعت هذه الآيات محاور صفات المنافقين، كان الالتفات إلى أسلوب آخر تتم به المعاني وتتضح به المقاصد، هو أسلوب ضرب الأمثال، وهو نهج يعرفه العرب ويجيدونه، ولهم فيه مسار ومضمار، يجمعون فيه بين إيجاز اللفظ وحسن التشبيه وإصابة المعنى، ولذلك استخدمه القرآن الكريم والسنة النبوية، تربية وتعليما وتفهيما، لما للناس