من اختلاف في مستويات الإدراك والوعي، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} العنكبوت 43، {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون} إبراهيم 25.
على هذا النهج ضرب الله تعالى للمنافقين مثلين في غاية الدقة والوضوح والصحة:
المثل الأول بقوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} ، فشبههم إذ استجمعوا صفات النفاق واستحبوا الضلالة على الهدى وآل أمرهم إلى عَمَهِ الرأي وعمى البصر والبصيرة والصمم عن استماع الذكر، بالتائه في مجهل من الأرض، بليلة ظلماء، لا ضوء فيها للقمر المنير ولا للنجوم الهادية، يحاول الرجوع إلى موطنه، ولا يعرف لطريقه أعلاما أو معالم، فاستوقد نارا أضاءت له لحظة قصيرة، ما كاد فيها يرى ما حوله ويستدل على طريقه حتى فقد السمع والنطق والبصر، ووجد نفسه فجأة في الظلام الحالك والسواد القاتم البهيم، عاجزا عن الاستفادة من ضوء النار ومعرفة الطريق، وعن الاستهداء بغيره سؤالا أو تلقي جواب نطقا أو إشارة، لفقده البصر الذي به يرى النور والإشارة، واللسان الذي به يسأل ويستفهم، والسمع الذي به يتلقى النصح والتوجيه والإرشاد. فملأت الصدمة قلبه خوفا وهلعا واضطرابا، وفقد أهم أدوات الإدراك، ولم يبق له قدرة على الرجوع إلى حاله الأول استيقادا للنار وطمأنينة بصر وإبصار، وعودة إلى الأهل والديار، وهو مثل يصف حال المنافقين أدق وصف، إذ جاءهم نور النبوة والوحي وبلغهم بالأدلة الكافية الشافية المقنعة، ولكنهم حرموا من نور البصيرة فعموا عن الهدى، وصموا عن الاستماع والاتباع، وخرست ألسنتهم عن الإجابة والاستجابة والنطق والتعبير، فتشوهت طباعهم، وفسدت نفوسهم، وسقطت هممهم، وتعذر عليهم الرجوع إلى الفطرة الأولى التي خلقهم الله تعالى عليها، الفطرة التي تستمع الذكر، صافية طيبة وثيقة الصلة بالغيب والشهود، مبصرة للحال والمآل متبصرة بمخاطر المورد وعاقبة الورود. {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} الروم 30.
أما المثل الثاني فقوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، وكأن المنافقين في هذا المثل تائهون في مجهل أرض مضلة، بليل بهيم مظلم وشتاء قاسٍ كَلِبِ، زاده انصباب المطر إظلاما، وتناوح الرياح رعبا، وهزيم الرعد هولا، وقاصف الصواعق إرهابا، وخاطف البرق تلجلجا واضطرابا، وارتقاب الهلاك ومظنة الموت بهذه المخاطر هلعا وخوفا، فجعلوا أصابعهم في آذانهم كي لا يسمعوا نذر الهلاك المحدق بهم.