وإذا كان المنافقون في المثل الأول قد ذهبت أبصارهم وأسماعهم شقاوة فلم يستفيدوا من الوحي، فإنهم في هذا المثل محتفظون بأسماعهم وأبصارهم وجميع حواسهم ليزدادوا عذابا وألما وتعاسة ورعبا، وشعورا بهول المتاهة والضلال، وهم لِمَا رَانَ على قلوبهم من ظلمات الريب والتردد، كلما قصفهم وعد الله بالجنة للمؤمنين ازدادوا غما وحسدا وغيظا وخوفا من أن يكون ذلك حقا، أو قرعت أعماقهم وصكت وجوههم وصفعت أقفاءهم قواصف الوعيد للمعرضين، وإحاطة الله الكاملة بالكافرين، ازدادوا محنة وحسرة واضطرابا وحيرة من احتمال أن يكون ذلك حقيقة، وهم عاجزون عن التحرر من قيود النفاق وأغلال الشك، مذبذبون بين القيام والقعود بين الهداية والضلالة، وعذابُ الله لا محالةَ بهم واقعٌ، ما له عنهم من دافع.
هذه هي المحاور الأربعة التي هي مفتاح شخصية المنافق أوجزها رب العزة بأبلغ عبارة وأسبغ عليها تلوينات معبرة من مثلين أضفيا عليها حركية حية تمشي بين الناس، وتسعى فيهم عبرة لمن يعتبر وتذكرة لمن يتذكر، سِمَتُها المخادعةُ بالكذب وإظهارُ غير ما يُبْطَن أولا، وقلب حقائق الأشياء بتسمية الفساد إصلاحا ثانيا، والاستعلاء على أهل الحق واحتقارهم ثالثا، والاستهزاء بالمؤمنين مع الخنوع للشياطين من الأقوياء وأصحاب النفوذ والجاه رابعا، مع ما ينبعث من هذه السِّمَاتِ اضطرابا في السلوك والمعاملة والنوايا والأهداف والمقاصد، وهي صفات يشترك فيها منافقو الأمس واليوم والغد.
منافقو الأمس في عهد النبوة هم مؤسسو حركة النفاق والقدوة فيها وروادها السابقون، أما منافقو اليوم فهم التابعون لهم من الذين أعقبهم الله نفاقا في قلوبهم من حيث يدرون أو لا يدرون.
ولئن كان منافقو الأمس من أخطر العناصر على الدعوة الإسلامية في مرحلة النشوء والانتشار، فإن منافقي اليوم كذلك أسوأ وباءٍ يهدد الصحوة الإسلامية المعاصرة في مرحلة الإحياء والانبعاث، وقد دأب طواغيت العصر، كلما خفيت عنهم أسرارها ومقاتلها، على التلويح بالمال والمنصب، لضعاف الإيمان، وخائري الشخصية أمام حطام الدنيا من أعضائها، فينقلبون على أعقابهم تخريبا للدعوة ومحاربة للصادقين، والأمثالُ الحية لهذه الكائنات الطفيلية المنافقة أمام أعين الدعاة في كل قطر. وليس للمؤمنين إلا أن يطمئنوا لنصر الله، على رغم ما ينفقه الظالمون ويبذلون {فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} الأنفال 36.
ولئن كان مرض النفاق السياسي المعاصر قد عصف بسلوك كثير من ضعاف الإيمان فإنه قد استدرج معتنقيه إلى مشارف النفاق العقدي وإن لم يقتحموه بعد، على أن ملامح المحاور الأربعة المكونة للشخصية المنافقة تتلامح في ثنايا التصرفات والمواقف، وهم على خطر من أمر دينهم وعقيدتهم. أما النفاق العملي كبائرَ وآفاتٍ فمما لا ينكره مكابر أو يجحده مجادل.