إن إخلاص العبادة جزء من الأمانة والإيمان، وكون العمل موافقا للشريعة جزء من الأمانة والإيمان، أما إتقان العمل فهو كمال الأمانة والإيمان، بأن تستكمل العمل في طاعة الله، واجبا ومندوبا، وتتخذ من المباحات سبيلا إلى مرضاته عز وجل، وتبتعد عن معاصي الله محرمات ومكروهات، وتتقي الشبهات استبراء لدينك وعرضك، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم: (إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه) .
إن القيام بالواجب طاعة لله وامتثالا، واجتناب المحرم خوفا منه وحياء، والتمتع بالمباح شكرا له وحمدا، ومراقبته في السر والعلن، كل ذلك هو الإحسان الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، وأهل هذه المرتبة هم السابقون المقربون بقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} الواقعة 10. وقوله: {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ} الواقعة 88.
وبعد أن ذكَّر رب العزة عبادَه مطيعين وعصاةً، بفضل ربوبيته خلقا ورزقا وأمنا وتسخيرا للسماء والأرض، وبما عرفوا من ذلك وأقروا به، وأمرهم بصدق عبادته وإخلاص توجههم بها إليه، حذرهم من أخطر آفة تعصف بالعبادة وتمحق ثمارها، وهي الشرك ظاهرا وخفيا، فقال عز وجل: {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} ، وهذا تحذير للمؤمنين من إفساد عقيدتهم بالشرك الخفي، وللكفار من الاستمرار على جحودهم وتمسكهم بباطل يعلمون فساده، وإعراضهم عن حق يعلمون صوابه. و"الأنداد"لغة جمع مفرده"ند"، وهو الشريك والنظير، والله تعالى لا شريك له ولا نظير {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى 11.
إن أساس العبادة التوحيد، وأس التوحيد الولاء لله والبراء مما سواه أندادا وشركاء أتباعا ومتبوعين، أخفياء وظاهرين. ولذلك قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة 257، وفي رواية للبخاري عن عبدِ اللَّهِ رضِيَ اللَّهُ عَنهُ قَال: (سَأَلْتُ أَوْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَكْبَرُ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ) . وفي الحديث الصحيح: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء وأدناه أن تحب على شيء من الجور وتبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض، قال الله عز و جل: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه} ، وعن ابن عباس في قوله تعالى: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا