فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 523

إن جميع الكائنات، سواء اتُّخِذَتْ أندادا أولم تُتَّخَذْ، لا تملك مثقال ذرة مع الله، وليس لها أدنى من حبة خرذل مشاركة له في السماوات والأرض، وليس لله معين منها لأنه غني عن العالمين، وليس لها أن تشفع عنده لأتباعها وأوليائها إلا بإذنه، وهي في نهاية المطاف تحت نير العبودية طوعا وكرها {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَال ِ} الرعد 15، {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} مريم 93.

لقد أقام القرآن في هذه الآيات الدليل العقلي المشاهد المعترف به من قبل المشركين وكفار أهل الكتاب، على استحقاقه تعالى العبادة من دون غيره، ولم يبق للمعارضين إلا شبهة واحدة هي التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والكتاب المنزل عليه، ولما كانت صدقية الرسالة مبنية على كون القرآن كلام الله وليس من كلام البشر، وهذا يقتضي استحالة معارضته، فقد كان خير وسيلة لإثبات ذلك أن يتحداهم بعجزهم عن الإتيان بمثله، وهم في ذلك بين موقفين: إن كانوا من ذوي البصائر الصافية والضمائر النيرة علموا بسمو معانيه وجلالة أساليبه وجزالة تراكيبه وأنه كلام رب العالمين وبادروا إلى امتثال ما أمر به والانتهاء عما نهى عنه، وإن كانوا في شك وريب من كونه منزلا من عند الله، فليحاولوا معارضته والإتيان بمثل سورة من سوره: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِه} .

إن المشركين وكفار أهل الكتاب كانوا يعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم أمي، ولكنه ارتفع برسالته إلى مستوى سامق من العبودية الخاصة الخالصة لله تعالى بقوله {عَلَى عَبْدِنَا} ، أما قولُه تعالى {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي أعوانكم من الأرباب والرؤساء والفصحاء والعلماء، إن كنتم صادقين في دعواكم الريب والشك في القرآن مضمونا ومصدرا، ادعوهم ليشهدوا على ما تُزَوِّرونه من مفتريات أو ليساعدوكم على صياغتها وتزويرها، فهذا أيضا يعد تحديا لهم ولساداتهم بعبده محمد الرسول الذي لا يقرأ ولا يكتب، وأتاهم بما لا يستطيعون مماثلته أو معارضته، أتاهم بالقرآن الكريم، كلام الله عز وجل، فهل يستطيعون الإتيان بمثله؟

لقد تحداهم القرآن الكريم بهذا في غير موضع من القرآن، تحداهم في المرحلة المكية، فقال في سورة القصص: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} القصص 49، وقال في سورة الإسراء 88: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا، وقال في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت