فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 523

سورة هود 13: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ، وقال في سورة يونس 37/ 38: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ، ثم تحداهم بذلك أيضًا في المرحلة المدنية، فقال في هذه الآية: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} شك {مِمَّا نزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} محمد صلى الله عليه وسلم {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} أي من مثل هذا القرآن. فإن بلغ ما أتيتم به من الفصاحة إلى حد الإعجاز فهو كما زعمتم، وإن لم يكن الأمر كذلك فاعلموا أنكم على ضلال ومكابرة.

هذا التحدي بالإعجاز القرآني كما شمل في آيات سابقة مطالبتهم بمثل القرآن كله، شمل أيضا مطالبتهم بمثل عشر سور، ثم لما ظهر عجزهم واستبان خطلهم، رفع درجة التحدي إلى مجرد الإتيان بسورة واحدة من مثله، وكما يعني هذا التحدي سورة طويلة كسورة البقرة، يعني أيضا قصار السور من مثل سورة الكوثر والعصر والناس.

لقد بُعِثَ الرسول صلى الله عليه وسلم بين قوم أكثرُهم شعراء مفلقون وخطباء مُفَوَّهون، وحكماء مجربون، فتحداهم بصناعتهم في الكلام، وأثبت عجزهم عن المماثلة، وتأكد أن التفاوت بين كلام الله تعالى وبين ما يصوغون من شعر ونثر ليس تفاوتا معتادا، وأنه تفاوت معجز، لصدوره عن علم مطلق بالكون والكائنات، وما مضى وما هو حاضر أو آت، وهو ما شهد به رؤوس الكفار وقادتهم، فعندما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على الوليد بن المغيرة من سورة النحل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} إلى آخرها، قال: يا ابن أخي أعِدْ، فلما أعاد الرسول صلى الله عليه وسلم، قال الوليد: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لمورق، وأعلاه لمثمر، وما هو بقول بشر، ثم انطلق إلى مجلس قومه بني مخزوم فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه ليعلو وما يعلى، فقالت قريش: صَبَأَ والله الوليد والله لَتَصْبَأَنَّ قريش كلهم، وقال أبو جهل تعقيبا على هذه الآية عندما سمعها: إن إلهه ليأمر بمكارم الأخلاق.

وفي رواية أخرى أن الوليد مر بالرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ حم السجدة فلما وصل إلى قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صاعقة مّثْلَ صاعقة عَادٍ وَثَمُودَ} فصلت 13، نَشَدَهُ الوليد بالله وبالرحم أن يسكت، وهذا يدل على يقينه بصدق لهجة الرسول صلى الله عليه وسلم وخطورة ما ينذر به قومه من كفار قريش.

ثم لما ثبت عجزهم ودُحِضَ ريْبُهُمْ وقُطِعَ عذرُهم ولم تبق لديهم شبهةٌ يتمسكون بها خاطبهم عز وجل إقرارا لعجزهم حالا واستقبالا عن معارضة القرآن، وإعذارا للمصرين منهم على التمرد والكفر والجحود، وتذكيرا لهم بالمصير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت