فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 523

السيء الذي ينتظرهم فقال: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} ، وليس لهم من وقاية من هذه النار التي يستوي لديها الناس والحجارة إلا بالإقلاع عن الضلال والكف عن المجادلة بالباطل، واتباع ما بلغهم به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

لقد كان هذا النداء الإلهي في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ .. } وما أفاض به على ما سبقه من وصفٍ لحالِ المتقين، وحالِ الكفار المجاهرين والمنافقين، بِجَمْعِهم في خطاب واحد تسويةً لهم في استماع الهداية وإقامة الحجة، نموذجا رائعا ونادرا للعدل والإحسان والتلطف والبيان، أضيف إليه بالتحدي الذي تلاه، ضروبٌ من الإفحام والتعجيز، كشفتْ زيفَ الريب المُدَعَّى والشك المزعوم الذي يتترسون به في مواجهة الحق.

ثم زيادةً في الإعذار كشف رب العزة من وراء حجب الغيب عن مصيرين محتومين أحدهما للعصاة المتجبرين، والثاني للأوابين المطيعين، بصورتين متقابلتين إحداهما شديدة القتامة والرعب، نارٌ توقد بالناس والحجارة، لا تُتَّقَى إلا باتباع العبد الرسول صلى الله عليه وسلم {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} ، {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ} آل عمران 10، {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} الأنعام 27.

أما الصورة الثانية فدار المُقَامة من فضل الله لا يمس قاطنيها نصب ولا لغوب ولا هم أو حزن، جناتٌ لهم، خالصةٌ لهم من ربهم إذا آمنوا به وصدقوا رسوله وائتمروا بأمره وانتهوا عن نواهيه، وأخلصوا عبادته ظاهرا وباطنا، {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} ، وفي هذه الآية الكريمة من لطيف البشارة وجزالة المعنى ووجيز اللفظ ما يفوق الوصف، فقد أجملت الوعدَ ومُبَلِّغَه، والموعودَ به وسببَ تحققه، بأبلغ عبارة وأوضح إشارة، البشارةُ بالجنة وعدٌ من الرحمن، ومُبَلِّغُها عبدٌ خالص للدَّيَّان، والإيمان والعمل الصالح سبيل الوصول إلى الجنان. وأحرى بمن نال شرف الوصول أن يقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} فاطر 34/ 35.

ثم أخذ السياق القرآني في وصف هذه الجنان تأكيدا لنعيمها الدائم، وتشويقا للمخاطبين في كل زمان ومكان بقوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} ، عونا لهم على طلبها وإعانة لهم على اتقاء نقيضها، الذي هو النار وقودها الأبشار والأحجار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت