فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 523

ولئن كانت مَجَامِعُ اللذات هي المسكن والمطعم والزوجة الصالحة والأمن، فقد وفر الله تعالى لهم كل ذلك في مسكنهم الجديد الذي فيه المشرب {جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار} والمطعم {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} والزوجة {وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ} والأمن من زوال هذا النعيم أو انقراضه {وَهُمْ فِيهَا خالدون} .

إلا أن مَجامِع اللذات في الجنة ليست كما يتصور أهل الدنيا، إن فيها ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر بقلب بشر، وقد ورد في صحيح البخاري أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: (قَالَ اللَّهُ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ"فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُن") .

كما أن أنهار الجنة وإن أشبهت أنهارَ الدنيا تسميةً فهي خيرٌ منها شكلا ومُحْتَوًى {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} محمد 15.

كذلك طعامها يختلف عن طعام الدنيا وثمارها وإن اشتبهت التسميات، ولذلك قال عنه ذو الجلال والإكرام: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} ، أي أن أهل الجنة كلما قُدِّم لهم ثمرُها ورأوا شكله ظنوا أنه يشبه ما طعموه في الدنيا، أو يشبه ما تناولوه في الجنة من قبل، ولكنهم عندما يتذوقونه يكتشفون أنه لا يشبه ثمار الدنيا ولا يشبه كذلك ما طعموه في الجنة، لأن لذة هذه الثمار تتجدد كل حين، لونها وشكلها واحد ولكن طعمها مختلف.

أما الأزواج في الجنة، فخيرات حسان، مطهرات الخَلْق والخُلُق من العيوب، ومن العوائق قذرا وأذى، ومن آفات السلوك قولا وعملا، ومما هو من طبيعة الخلقة الدنيوية، وقد أنشأهن الله تعالى حورا مقصوراتٍ في الخيام، قاصراتِ الطرف أبكارا عربا أترابا. {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} الأنبياء 103، {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} هود 108.

صورتان متقابلتان لمصيرين مختلفين، إحداهما للجحيم الأبدي، وثانيتهما للنعيم الدائم، والعاقل من يُمَيِّز بين المصيرين، ويستحضر تعبَ العبادة في الدنيا وثَمَرتَه، وغفلةَ اللهو وعاقبتَه، ولئن كان كلٌّ مُيَسَّرًا لما خُلِق له، فما كُلُّ الخيل للسباق، وما كلُّ جرْوٍ لِأَسد، والمجاهدةُ حرْبٌ لا يصلح لها إلا بطل، ومن الناس من تَصْرِفه عن الآخرة شهوةٌ عابرة، ومنهم من لا يُغْريهِ قصرٌ مشيد، ومنهم من يظن نفْسَهُ يسعى إلى ربه، فإذا صادف منصبا أو مالا أو جاها اكتشف أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت