ففي أثناء المحنة البوسنية عام 1993 تولت ترکيا زمام القيادة داخل منظمة المؤتمر الإسلامي للضغط من أجل إرسال قوات حفظ سلام لحماية الملاذات الآمنة البوسنية، ودعا أربكان، دون أن يحقق نجاحا، إلى إنشاء قوة أحادية الطرف مؤلفة من عشرة آلاف جندي تركي لإرسالها إلى البوسنة (33) . وفي نهاية المطاف، فالحقيقة هي أن مسلمي البلقان تطلعوا طويلا - ومازالوا - إلى تركيا بوصفها الدولة الحامية لهم تاريخية من القوة المسيحية في البلقان. ومهما يكن حرج هذا الوضع بالنسبة لتركيا العلمانية اليوم، فإنه يمثل إرثا دينية من الماضي لا يقبل الجدل. وهناك أيضا جالية كبيرة بوسنية (البوشناق وكوسوفية في تركيا يعود تاريخ وجودها إلى العهد العثماني، وهي تتعاطف مع القضية البوسنية والكوسوفية، الأمر الذي يحقن السياسات التركية تجاه البلقان بعنصر داخلي. لن تقف تركيا على الحياد في الأزمات المستقبلية التي تتعلق بمسلمي البلقان، حتى وإن كافحت للحفاظ على علاقات طيبة مع جميع الأطراف والدول هناك. فتركيا اليوم تعد قوة بلقانية من جديد، وفي هذا الخصوص تعتبر السياسة التركية مرة أخرى متعارضة مع السياسات الروسية في البلقان التي ساندت تاريخية الصرب الأرثوذكس الشرقيين وسعت للحيلولة دون الانفصال البوسني والكوسوفي. وبما أن موسكو لم تعد تنظر إلى سياسات تركيا الجديدة على أنها مجرد امتداد للسياسات الأمريكية المعادية لروسيا، فمن المرجح أن تتفق تركيا وروسيا على أن يختلفا حول هذه المسألة البلقانية، دون أن يترك هذا الاختلاف تأثيرة في سلسلة واسعة النطاق من العلاقات الأخرى.
خاتمة
بالنظر إلى الإحباطات التي تعرضت لها تركيا في عملية انضمامها إلى الاتحاد الأوربي التي طال أمدها واتسمت بالتحيز والضجر، شرعت بكل وعي في وضع استراتيجية جيوستراتيجية بديلة متجهة نحو أوراسيا والشرق الأوسط. وقد أدى النهوض الجديد اللافت للصين والهند اقتصادية واستراتيجية إلى اكتساب القوة العالمية بعدة شرقية جديدة رئيسية. وتدرك تركيا بشكل قاطع أنها لا يمكن أن تتجاهل الأسواق الجديدة الضخمة في