لذلك، لم يعد في مقدور من كانوا ذات يوم حلفاء الولايات المتحدة الأوفياء أن يوصفوا فقط بأنهم كذلك؛ وتركيا جزء من هذا الاتجاه.
ولكننا نشهد أيضأ نزعة تاريخية نحو صياغة علاقات متبادلة متجددة بين تركيا والشرق الأوسط. ومع أن عواقب هذه النزعة لم تتضح بعد بصفة تامة، إلا أنه من المرجح أن تكون إيجابية بشكل عام بالنسبة إلى معظم الأطراف. وهذه النزعة لا تقتصر على رؤية حزب العدالة والتنمية وحده، بل تمثل نوعا من الإجماع القومي التركي الناشئ ببطء. وكدولة شرق أوسطية قوية، ومستقرة، ومتقدمة، وديمقراطية، أخذت تركيا تتحرك الآن - وقد أرغمت فعلا على التحرك نحو مشاركة أكثر استقلالية في منطقة مضطربة لها فيها مصالح حيوية. وفي النهاية، فإن ما سيحدد ما تفعله تركيا في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي الكبير هو التفاعل المعقد بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوربي، ومصالح تركيا غير الغربية.
وكامتداد لهذه الأطروحة، سيؤكد هذا الكتاب أن علاقة تركيا بالولايات المتحدة الأمريكية الآن في مسار تتجه فيه إلى أن تفقد بشكل دائم الكثير من التحامها السابق؛ الثلاثة أسباب: أولا، أزاح انهيار الاتحاد السوفيتي وإعادة تنظيم السياسة الأوربية الخطر الجيوسياسي الرئيسي على تركيا. ثانيا، في الوقت نفسه تقريبا أصبحت أجندة واشنطن الإقليمية في الشرق الأوسط يتم تصورها بشكل متزايد على أساس أنها تناقض مع مصالح أنقرة الخاصة في المنطقة. ثالثا، طورت أنقرة على نحو متزايد مداخل استراتيجية جديدة إلى كل من العالم الإسلامي وأوراسيا وروسيا والصين، وفرت خيارات سياسية واقتصادية للبلاد. ورغم أن هذه المداخل تسارعت بقدر كبير تحت حكم حزب العدالة والتنمية، فإنني أنظر إلى هذا التحول كتحول جيوسياسي طويل الأجل سيغير، بطريقة لا رجعة فيها، روابط أنقرة بواشنطن.