الدعوة إلى الإصلاحات داخل الإمبراطورية. ولكن بينها سعي الإصلاحيون الأتراك إلى تعزيز الدولة وتحديثها، فإنهم تحولوا على نحو حتمي إلى قدر أعظم من المركزية، وهذا هدف لم يرض عنه غالبا الوجهاء المحليون والسلطات الإقليمية الذين كانوا يسعون للمحافظة على الحد الأقصى من الاستقلالية المحلية. ورغم أن هذه الإصلاحات أسفرت عن بعض الاحتكاكات، فإن العرب قبلوا تمام مشروعية الإمبراطورية.
كانت المظالم المحلية صور على أنها شيء يتم التفاوض عليه داخل النظام السياسي، وليس كساحة للتمرد ضد الدولة العثمانية. وبالنسبة إلى معظم المسلمين، كانت العضوية في إمبراطورية إسلامية متعددة الإثنيات شيئة ملائم كلية، وهكذا كانت الدولة العثمانية، وبرلمانها، ونظامها الإداري تلقى قبولا واسعة من العرب حتى الحرب العالمية الأولى، على الرغم من الجهود الإنجليزية والفرنسية لتقويض السلطة العثمانية في العالم العربي. وحتى العلماء العرب ظلوا موالين بالإجماع للسلطة والمؤسسات العثمانية في أثناء تلك الفترة (5) .
القومية العربية في مواجهة القومية التركية
كانت مفاهيم اليوم المألوفة عن القوميتين العربية والتركية لاتزال بدائية خلال معظم القرن التاسع عشر، وكانت الهويات المحلية توفر السمات المميزة الأولية وسط المسلمين. ورغم أن القوميتين التركية والعربية ستبرزان بقوة بمرور الزمن، فإن القومية لم تكن السبب النهائي لتفكك الإمبراطورية في أقاليمها الإسلامية (6) . وكما يبين مؤرخ الشرق الأوسط راشد خالدي،
بالنسبة إلى معظم المنتمين إليها قبل 1914، لم تكن العروبة تعني الانفصالية، ولم تكن تتناقض مع الولاء للإمبراطورية العثمانية، أو مع مبدئها التشريعي الديني ... كانت هناك اختلافات أيديولوجية بين العثمانويين والعروبيين في المحافظات العربية من الإمبراطورية العثمانية، ولكن هذه تضمنت القضايا السياسة المحددة وقتها مثل أفضل السبل لمقاومة الإمبريالية، أو التوازن الملائم للمركزية مقابل اللامركزية بدلا مما إذا كان ينبغي على العرب البقاء جزءا من الإمبراطورية. لم تكن هذه ببساطة قضية بالنسبة إلى معظم العروبيين قبل 1914 (7)