"الخطر الإسلامي"الداخلي
إن جنون الارتياب الاستراتيجي التركي، أو عقدة سفرس Severs complex التي تشير إلى معاهدة الهزيمة المذلة التي أجبرت الإمبراطورية العثمانية على توقيعها بعد الحرب العالمية الأولى، ورفضها لاحقا أتاتورك- ليس تمرينا في الخيال التركي العصبي. واستحضار سفرس لايزال اليوم نداء عاطفي للاستذکار، والتنبه لعدم السماح مرة أخرى للأجانب بالعمل بطرق قد تفكك أو تشل تركيا. (وعلى هذا الضوء يتم النظر إلى المشكلة الكردية بصفة خاصة) وبناء على ذلك، فإن الحصول على الاعتراف الغربي بسيادة الجمهورية كان مفتاحا لبقاء تركيا كدولة مستقلة. وفوق كل شيء، ظلت أراضي الإمبراطورية فريسة دائمة للوخز الذي لا ينتهي من أجل ضمها بواسطة أوربا وروسيا، والجمهورية الجديدة كانت للتو قد صدت الجهود العسكرية البريطانية والفرنسية والإيطالية واليونانية للاستيلاء على أجزاء كبيرة من الأناضول للسيطرة على البوسفور، ولمنح أوطان كبيرة في الأناضول للأكراد والأرمن.
ونتيجة لذلك، كانت الدولة الكالية المبكرة تخشى الانقسام الداخلي المحتمل - الديني والإثني- الذي يستطيع تكوين طابور خامس تستغله القوى الخارجية. وبينا دعمت أعداد كبيرة من رجال الدين تماما صراع كمال أتاتورك لإنقاذ التراب التركي من اعتداء الكفار، فإن قلة منهم كانت ترتاح إلى الإجراءات العلمانية التي أنهت الخلافة، ونزعت من المؤسسات الإسلامية كل قواها. وفي أعين الكثيرين من الأتراك المتحمسين الوطنيين، صار الإسلام ورجال الدين نقيض الوطنية التركية، وعنصرا تحوم الشكوك المرتفعة حوله، هذا إذا لم يوصم بالخيانة داخل الدولة التركية. وقد روج الكاليون بسرعة الرأي الذي يقول إن العالم العربي لم يكن فقط مصدر التخلف العثماني، ولكنه يهدد أيضا بجر تركيا إلى الوراء نحو"العصور المظلمة". بعبارة موجزة، أصبح العالم العربي يمثل قوة معادية للأتراك في المنطقة.
وبينما واجهت الجمهورية أعداء خارجيين حقيقيين، فقد كانت الأيديولوجية الكالية تنزع نحو دمج الخوف من القوى الخارجية والمؤامرات كعنصر رئيسي في نظرتها إلى العالم. ولقد أسهم هذا الارتياب المضي من العالم الخارجي في الحفاظ على القوة الداخلية لتركيا،