يقين مما ذهبوا إليه، الأمر بالنسبة إلى هؤلاء يتعدى الجانب الأخلاقي کها أراده التنوير الغربي مدة ثلاثة قرون متواصلة. إنهم ينطلقون من قبلية اعتقادية تعود في جذورها إلى ثقافة الاستيطان الأنجلوساکسوني، ومؤداها أن التاريخ لا تعمره البراءة، إذ البراءة عندهم - حسب وصف غراهام غرين، الكاتب المسرحي الإنكليزي - تشبه مجذوما أبكم أضاع جره، ثم راح يطوف العالم، ولا يقصد ضررة لأحد ...
وعلى عقيدة المحافظين الأمريكيين الجدد، إن ما ينبغي على أمريكا أن تفعله لكي تحقق رسالتها إلى العالم، هو النأي بنفسها عن البراءة، وأن تفي بعيدا في السجنية الماكيافيللية القائلة بفضيلة"أن تخيف الآخر بدل أن تكسب حبه لك"...
عندما خسرت الولايات المتحدة مقعدها في لجنة حقوق الإنسان التابعة لهيئة الأمم المتحدة في جنيف في مطلع مايو من العام 2001، أصيب كثيرون في نيويورك وواشنطن بالدهشة الحقيقية.
هؤلاء كانوا من النخب الأمريكية والغربية التي صدقت ما تختزنه العبارة الإيديولوجية من براءات ذات صلة بالقانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية. للوهلة الأولى لم يعرف أولئك المخدوعون ما إن كان الذي سمعوه إشاعة خاطئة أو نكتة حمقاء، وتساءلوا: كيف يمكن لمثل هذه الأمور أن تحدث .. وأين ذهب التعقل؟ وحسبهم أن أمريكا هي التي أوجدت مفهوم حقوق الإنسان، وهي التي هرعت دائي إلى إنقاذ الأطفال المفقودين، وانتشال الديمقراطيات الفاشلة.
ولم يحدث قط أن استبعدت الولايات المتحدة من غرف لجنة الضمير خلال أربعة وخمسين عاما من وجودها. كذلك لم يسبق أن حدث في الذاكرة الحية أن تتعرض القوة العظمى الوحيدة في العالم إلى مثل هذه السخرية غير المستحقة على أيدي أتباعها
الجاحدين.
يومئذ كان بديهيا أن يصب الأمريكيون جام غضبهم على الأوروبيين، وبالأخص على فرنسا. فعلى ما بين منظرو اليمين الأمريكي، فإن الفرنسيين تحديدا خانوا الأمانة