أنها استثمار لا يصب في صالح أمن البلاد فحسب، بل وفي تعزيز هيبتها على المستوى الدولي. وكما سيعرض هذا الفصل، فإن ميل بوتين إلى القوة النووية كان ضئيلا جدا في بداية عهده بالرئاسة؛ ولكنه ازداد ولعة ب"القوة المطلقة"مع ازدياد حملات النقد في الغرب لنزعاته الاستبدادية شيئا فشيئا، وحين صار واضحة، کما يري ديمتري ترنين (Dmitri Trenin 2006 a) ، أن"الشراكة الاستراتيجية"ما هي «إلا فصل لم يفتح على الإطلاق» . وعملية"التسييس"المتواصلة هذه الأسلحة النووية مازالت منقطعة الصلة، على نحو مثير للانتباه، عن الواقع الحقيقي للقوة النووية الاستراتيجية الذي يطغى عليه الانكاش والتدهور.
وهذا الفصل يبحث في حالة التناقض هذه، ويتناول قضية محددة يبدو جليا فيها أن مطالبة روسيا بمكانة"القوة العظمى"وطموحاتها النووية أمست تشكل أحد أركان بحثها عن مكاسب تكتيكية في إطار مناوراتها الجيوسياسية؛ ألا وهو الأزمة الدولية التي طال أمدها، والتي أثارها التقدم الذي تحقق للبرنامج النووي الإيراني.
بوتين والخيار"اللانووي"
لعله لا أحد كان يضاهي فلاديمير بوتين في عدم استعداده للنهوض بالمهمة التي أوكلت إليه في أول أيام عام 2000، بيد أن الخبرة التي كان يفتقر إليها أكثر من غيرها يقينا هي الإمساك بزمام قيادة القوات النووية الاستراتيجية، بل إنه لم يسبق لأي من أعوانه ومساعديه الأوفياء، المتحدرين من سان بطرسبرغ، والذين اختارهم بعناية فائقة، أن تلقي"دروسا"تمهيدية في مدرسة"الردع النووي". كما أن معظم صناع الدسائس المحنكين، الذين ورثهم بوتين عن بوريس يلتسين، كانوا من غير جدوي في تلك المؤسسة. والغياب التام للخبرة على هذا النحو، وإن هو لم يتسبب في هزيمة فريق الهواة هذا، قد عزز تصورهم - المبالغ فيه نوعا ما- للجدوى السياسية للترسانة النووية الهائلة المتعددة الأنواع، إن لم نقل القدرة على استخدامها على الصعيد العسكري , Golts and Pinsker) (2000 a. ولم يمكن التقليل بعض الشيء من قوة هذا التصور إلا بفضل الخبرة التي كان بوتين قد اكتسبها من مصادرها الأصلية بصورة مباشرة قبل عام من تنصيبه رئيسا للبلاد.