غير أن حرب الشيشان الأولى تسببت في إضعاف قدرة روسيا على استعراض قوتها بشكل حاد، فيما كشفت الهزيمة مواطن الضعف التي خلفها ضياع الإمبراطورية. وفي حين دخل الكرملين ب"تذكرة الحرب"التي منحتها إياه الشيشان نفسها، فقد بدا فلاديمير بوتين حريصا على تفادي التركيز بشكل مبالغ فيه على"المزاج"الانتقامي، وعدم إلزام نفسه بأي مشروع إمبراطوري جديد. وفي معرض إشادته ب"الولادة الجديدة"للجيش الروسي، افترض بطريقة براجماتية أن هذا الجيش لن يكون في المستقبل القريب جاهزة لخوض مواجهة طويلة الأمد، نظرا إلى أن حرب الشيشان ما انفكت تستنفد نصيبا لا يتناسب والموارد المتاحة.
وجاء وصول القوات العسكرية الأمريكية إلى آسيا الوسطى، وهو الذي وافق عليه بوتين على مضض منتصف أيلول/ سبتمبر 2001، ليحدث تغييرة فعلية في ميزان القوى في المنطقة؛ وإن هو خلف تأثيرة أقوى في المفاهيم السائدة في موسكو بشأن طبيعة التحديات الجيوسياسية التي تتعرض لها روسيا وقوتها. وحينذاك، تزامنت الرغبة في إزالة القواعد العسكرية الأمريكية بعيدة، مع أمنيات استعادة مناطق النفوذ التي كان يمكن أن تشكل"الإمبراطورية"المتخيلة (كما جرى وصفها في الفصل الثالث) . وبرغم هذه المطامح، فإن الاستخدام الفعلي للقدرات العسكرية لم يشهد أي تزايد على الإطلاق خلال ولاية بوتين الثانية؛ بل إنها عدت المدة الأكثر هدوء وسلامة في التاريخ الروسي الحديث.
وسيبحث هذا الفصل في هذه المفارقة الواضحة؛ فيتناول ابتداء تطور القدرات القابلة للاستخدام، ومن ثم عمليات نشرها ("الافتراضية") في معظمها في آسيا الوسطى، واستعراضها على نحو يستهدف جورجيا
عن أي قوات للانتشار السريع نتحدث؟
ما إن"استحوذت"الدولة الروسية في أيار/ مايو 1992 على وزارة الدفاع السوفيتية القديمة، وأوعزت إليها بوضع خطط لإدخال إصلاحات بعيدة الأثر، حتى كانت فكرة