فينبغي لصاحب الحرب أن يجعل رأس سلاحه في حربه تقوى الله وحده وكثرة ذكره، والاستعانة به، والتوكل عليه، والفزع إليه ومسألته التأييد والنصر، السنة والظفر (1) وأن يعلم أن ذلك إنما هو من الله جل ثناؤه لمن شاء من خلقه كيف شاء، لا بالأرب (2) منه والحيلة، والاقتدار والكثيرة، وأن يبرأ إليه جل وعزمن الحول والقوة، في كل أمر ونهي ووقت وحال، وألا يدع الاستخارة الله في كل ما يعمل به، وأن يترك البغي والحقد، وينوى العفو، ويترك الانتقام عند الظفر (3) ، إلا ما كان له (فيه) رضى، وأن يدمة عمل العداء وحسن السيرة، والتفقد للصغير والكبير مما فيه مصلحة رعيته، وأن يعتمد"في كل ما يعمل به في حربه طلب ما عند ربه عز وجل، ليجتمع له به خيرا الدنيا والآخرة. فعسى قائل الآن أن يقول: فقد نرى البغاة الظلمة بأهل العدل والإنصاف يظفرون، ونرى الكفرة بالله على أوليائه ينصرون، فليعلم أن ذلك من تقدير العزيز الحكيم في خلقه، لما هو أعلم به من مكنون غيبه."
على أنه قد يكون ذلك للكافر الظالم إملاء واستدراجا، وللمظلوم الموالي نظرة وابتلاء (4) ، وإن العاقبة للمتقين.
(1) يكاد يجمع القادة الذين خبروا الحروب، أن الجند يكتب لهم النصر في الميادين ماداموا يعتقدون أنهم جند الله، يحاربون لنصرة الحق على الاطل، ويؤيد ذلك قوله تعالى: والذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوثي سورة النساء: آية 76.
(2) الأرب العقل و الشخص الأريب العاقل.
(3) يعني أن البغي و الحقد و العزم على الانتقام، من الصفات المهلكة للجيوش، فالبعد عنها واجب.
(4) الابتلاء الاختبار، و النظر التأخير. قال تعالى:. انظر ني إلى يوم يبعثون، في أخرني و المراد لينظر الله أيصبر العبد على ذلك أو يكفر؟