ذكروا عن بعض أهل التجربة في الحرب أنه كان يستدعي صدق الجواسيس بأن يعطى من أتاه مهم بما يكره، أكثر ممن يأتيه مهم بها تحب.
أنه لا يكاد أن تمكنك منع (1) عسكرك من جواسيس عدوك، فاحترس منهم بكتمان السر وستر العورة ما استطعت. قد تحتاج في بعض الأحوال أن يعرف عدوك بعض أمورك. وتدبيرك على حقيقته لما تحاول من مکايد ته، فتلطف في ذلك بإظهاره لحواسيسه، يوصلوه إليه على ما يظهر لهم فيه (2) .
تلطف لإخفاء كتبك مع رسلك وجواسيسك بألطف الحيلة، واعلم أن بعض الحيل في ذلك ألطف من بعض. إن لم يمكنك التفرد معاملة جواسيسك في ستر، فليكن لكل واحد منهم رجل من أوثق خاصتك ومعاملتناك عنده، يتولى إيصاله إليك، ولا يعلم بعضهم ببعض. >
الباب العاشر
في الأمر بتعجيل الأهبة والتعبئة (3) قالوا: إذا كان العدو منك على خمس مراحل أو نحوها، فلا يكونن مسيك ونزول إلا على تعبئه.
كان أهل الحزم والتجربة برون لصاحب الحرب، أن يكون نزوله بو مسيره بالتعبئة في الأمن كما يرونه في الخوف، إلا أن يدع ذلك عن ضرورة، ويرون ألا تخلو مما تيسر من التعبئة في الأمن على كل حال.
(1) في الأصل مع» بدون النون.
(2) اى أن تظهر له من الأخبار ما يهمه، على أن يكون ترتيبك بخلاف ذلك، كان تفهمه أن هجومك سيكون من الشرق، فيه تعد له ثم تهجم أنت بقواتك من الغرب، حيث يكون آمنا غير متوقع لهجومك وقد طبق تلك الحيلة العائد المشهور وأبو مسلم الخراساني، في حرو به مع الأمويين فهزمهم بها. أنظر الكامل لابن الأثير حوادث سنة 137 ه. و
(3) التعبئة المقصودة هنا هي صف الجند في مواقفهم بين الميمنة والميسرة وغيرهما من أجزاء الجيش، ليكون مستعدا للاشتراك فورا في أي قتال إذا ألجأته الضرورة إليه.