الصفحة 13 من 33

كما أن النوم بالليل آية من آيات الله عز وجل ونعمةٌ من نعمه الدالة على قدرته، وفضله ورحمته، وهي سرٌّ من أسراره في خليقته، تدلُّنا على سَعة علمه، وبالغ حكمته.

وإدراك كلِّ ذلك ومعرفتُه لا يتسنى لأيِّ أحد؛ ولذلك قال عز وجل في ختام الآية: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [الروم: 23] سماع تدبُّر وتعقُّل، يَسمعون الحق فيتبعونه، ويسمعون الوعظ فيخافونه، ويسمعون القرآن فيصدِّقونه.

تنبيه:

وفي قوله عز وجل: {مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [الروم: 23] "تقديمٌ وتأخير، والمعنى: ومن آياته مَنامكم بالليل، وابتغاؤكم مِن فضله بالنهار، فحذف حرف الجر؛ لاتِّصاله بالليل وعطفه عليه، والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلَت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصَّة؛ فجعل النومَ بالليل دليلًا على الموت، والتصرُّفَ بالنهار دليلًا على البعث" [1] .

نعود فنقول: وهكذا يؤكد الله عز وجل هذا المعنى، فيقول عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} [الأنعام: 60] ، ويقول عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان: 47] .

إذًا فالسلامة كلُّ السلامة [2] هنا النومُ بالليل، والانتشارُ نهارًا، لا العكس؛ ولذلك كان هذا هو هدْيَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قالت عائشة رضي الله عنها:"ما نام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل العِشاء، ولا سمَر بعدها" [3] .

(1) تفسير القرطبي (14/ 18) .

(2) ودليله سيأتي في هدي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في السمر بعد العشاء، وهو قول عائشة رضي الله عنها:"... إما نائما فيسلم".

(3) أخرجه أحمد (6/ 264) ، وابن ماجه رقم: (694) ، والبيهقي في الكبرى رقم: (1962) ، وأبو يعلى في مسنده رقم: (4784) ، والطيالسي في مسنده رقم: (1517) ، وضعفه الأثرم ولم يصب؛ لأنه صحيح بشواهده، قال البوصيرى (1/ 88) :"إسناد صحيح. رجاله ثقات"، وصححه مغلطاي في شرح سنن ابن ماجه (1/ 1075) . وقال الألباني:"هذا سند حسن ورجاله رجال مسلم"؛ انظر: الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب (1/ 73) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت